في تطور يعكس تحولًا لافتًا في مسار الأزمة بين طهران وواشنطن، أعادت إيران فتح نافذة التفاوض عبر البوابة الباكستانية، في خطوة تعيد المسار الدبلوماسي إلى الواجهة، بالتوازي مع تصعيد عسكري أميركي متزايد في الخليج، ورسائل ردع متبادلة تضع المنطقة أمام مشهد شديد الحساسية بين احتمالات التسوية ومخاطر المواجهة.
وتأتي التحركات الجديدة في توقيت بالغ الدقة، مع توجه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى إسلام آباد ضمن جولة تشمل كذلك مسقط وموسكو، وسط مؤشرات على تحركات خلف الكواليس لاستكشاف فرص اتفاق محتمل، بينما تواصل واشنطن التشديد على أن حصارها البحري ضد إيران “يتجاوز الإقليم إلى نطاق عالمي”، في رسالة تحمل أبعادًا استراتيجية تتجاوز حدود الأزمة الراهنة.
إسلام آباد تتحول إلى قناة اتصال
وتحولت باكستان بشكل مفاجئ إلى نقطة ارتكاز جديدة في جهود الوساطة والاتصالات غير المباشرة بين واشنطن وطهران، بعدما أكدت الإدارة الأميركية توجه مبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، يرافقه جاريد كوشنر، إلى إسلام آباد لإجراء لقاءات مع ممثلين عن الوفد الإيراني، في خطوة اعتبرها مراقبون اختبارًا جديًا لإمكانية استئناف التفاوض.
ويعزز اختيار باكستان، بما تمتلكه من علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، فرضية البحث عن مسار تفاوضي جديد بعيدًا عن القنوات التقليدية، خاصة في ظل تعثر مسارات الوساطة السابقة.
وتشير تقديرات سياسية إلى أن التحرك الإيراني يحمل في طياته رغبة في استثمار هذا المسار لاحتواء التصعيد، خصوصًا مع حديث تقارير غربية عن رسالة مكتوبة يحملها عراقجي ردًا على مقترح أميركي يتصل باتفاق سلام محتمل.
عراقجي بين مسقط وموسكو
ولم تكن جولة وزير خارجية إيران مجرد زيارة بروتوكولية، بل تحمل دلالات تتجاوز البعد الثنائي، إذ تجمع بين مسارات إقليمية ودولية، تبدأ من باكستان مرورًا بعُمان، التي لطالما لعبت دور الوسيط الهادئ، وصولًا إلى موسكو الحليف الاستراتيجي لطهران.
ويرى محللون أن تعدد محطات الجولة يعكس محاولة إيرانية لبناء مظلة دعم سياسي قبل الدخول في أي تفاوض محتمل، أو على الأقل تعزيز موقعها التفاوضي إذا ما انطلقت المحادثات.
في المقابل، نفت دوائر إيرانية وجود تفاوض مباشر مع الولايات المتحدة، مؤكدة أن التحرك الحالي يندرج في إطار مشاورات مرتبطة بإنهاء الحرب واحتواء التوتر، وهو ما يعكس استمرار الحذر الإيراني رغم الانفتاح الدبلوماسي.
واشنطن تلوّح بالخيار العسكري
وبالتوازي مع الحديث عن مفاوضات، برزت مؤشرات تصعيد ميداني بعدما كشفت تقارير أميركية عن سيناريوهات عسكرية يجري بحثها في حال تعثر المسار السياسي.
وتشمل الخطط المطروحة – وفق تقارير إعلامية أميركية – استهداف الزوارق السريعة الإيرانية، وسفن زرع الألغام، ومنظومات الدفاع الساحلي، إضافة إلى بنى تحتية مزدوجة الاستخدام، بما يعكس انتقال الضغط الأميركي من سياسة الردع التقليدي إلى التلويح بعمليات أكثر اتساعًا.
ويعكس هذا الطرح رسالة مزدوجة؛ مفادها أن واشنطن تمنح التفاوض فرصة، لكنها تبقي الخيار العسكري حاضرًا بقوة على الطاولة.
حصار بحري يتوسع
وفي موازاة التصعيد العسكري، كثفت الولايات المتحدة رسائلها بشأن تشديد الحصار البحري المفروض على إيران، مع تأكيدات بأن هذا الحصار لم يعد مقتصرًا على الخليج، بل يمتد “عالميًا”، في توصيف يعكس توسع نطاق الضغوط البحرية.
كما حملت تصريحات وزير الدفاع الأميركي بشأن رصد محاولات جديدة لزرع ألغام بحرية رسائل تحذيرية مباشرة، خاصة مع ربط أي تحرك من هذا النوع باعتباره خرقًا لوقف إطلاق النار.
ويرى مراقبون أن الحديث الأميركي عن اعتراض عشرات السفن يعكس رغبة في إظهار السيطرة على مسارات الملاحة، خصوصًا قرب مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات الاستراتيجية حساسية في العالم.
مفاوضات تحت ضغط النار
اللافت أن المسار الدبلوماسي الجاري لا يتحرك في بيئة هادئة، بل تحت ضغط ميداني وعسكري متصاعد، ما يجعل أي تقدم تفاوضي مرهونًا بإدارة دقيقة للتوازن بين التهدئة والردع.
كما أن غياب بعض الأسماء السياسية البارزة عن الوفود، مع إبقاء شخصيات أميركية رفيعة في وضع الاستعداد للانضمام إذا تحقق تقدم، يكشف أن المشهد لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة، تبدأ من تفاهم محدود ولا تستبعد انهيار المسار بالكامل.
هل تنجح نافذة التفاوض الجديدة؟
ويعيد إعادة فتح باب التفاوض عبر إسلام آباد إحياء الرهان على الدبلوماسية، لكنها تأتي وسط مشهد معقد تتداخل فيه حسابات الأمن والطاقة والنفوذ الإقليمي.
وبين تحرك عراقجي، ورسائل واشنطن العسكرية، والرهان على وساطات متعددة، تبدو المنطقة أمام لحظة اختبار حقيقي: إما استثمار نافذة التفاوض لتفادي مواجهة أوسع، أو انزلاق جديد نحو تصعيد قد تتجاوز تداعياته حدود الخليج.




