البيان الأخير الصادر عن حركة حماس يعكس نهجاً بات مألوفاً منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة قبل نحو عامين، وهو الاكتفاء بخطاب سياسي وإعلامي يركز على تحميل الاحتلال والإدارة الأميركية مسؤولية الإبادة والدمار، مع تجاهل لواقع المأساة الإنسانية اليومية التي يعيشها سكان القطاع. فاللغة التصعيدية التي استخدمتها الحركة في بيانها – بدءاً من اتهام نتنياهو بالإرهاب وجرائم الحرب وصولاً إلى اتهام واشنطن بالانحياز – تبدو وكأنها محاولة للهروب من مواجهة الأسئلة الجوهرية حول مسؤولية الحركة عن مستقبل مليوني إنسان محاصرين تحت القصف والجوع.
ورقة الأسرى
ورغم أن بيان الحركة يضع قضية الأسرى الإسرائيليين في الواجهة، فإنه يتعامل معها كأداة ضغط سياسية أكثر من كونها ورقة إنسانية يمكن استثمارها في مسار تفاوضي جدي يخفف من معاناة المدنيين. فالإصرار على ربط مصير الأسرى حصراً بسياسات نتنياهو، دون التطرق إلى أي مبادرة عملية من جانب الحركة، يعكس انغلاقاً على خطاب الممانعة أكثر من انخراط في مسار واقعي يفضي إلى نتائج ملموسة.
في المقابل، تواصل إسرائيل، بدعم أميركي، عملياتها العسكرية تحت مسمى “عربات جدعون 2″، في ظل خسائر بشرية غير مسبوقة بلغت عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، غالبيتهم من النساء والأطفال. غير أن حماس، التي تدّعي تمثيل الضحية، لا تقدم رؤية سياسية أو إنسانية لإنقاذ هذه الأرواح، بل تحافظ على خطابها التقليدي الرافض لأي تسوية أو تنازل، وكأنها تفضّل استمرار الحرب على فقدان موقعها كسلطة حاكمة في غزة.
معادلة ثمنها الدماء
المعارضة الإسرائيلية وعائلات الأسرى يدركون أن نتنياهو يطيل أمد الحرب لحساباته السياسية الداخلية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه على حماس هو: لماذا تقبل الحركة أن تكون جزءاً من هذه المعادلة التي تدفع ثمنها دماء الفلسطينيين؟ هل الأولوية هي حماية الناس أم البقاء في الحكم مهما كانت الكلفة؟
بيانات حماس تكشف عن فجوة متزايدة بينها وبين الشارع الغزي المرهق، الذي يعيش تحت الركام والجوع والأوبئة. وفي الوقت الذي ينتظر فيه الفلسطينيون حلولاً تفتح باب الأمل، تكتفي الحركة بإصدار بيانات غاضبة لا تغيّر من الواقع شيئاً، وتواصل تمسكها بالحكم كأنه غاية بحد ذاته، حتى ولو كان الثمن آلاف الأرواح التي تُزهق كل يوم.






