في خيام النزوح المنتشرة في قطاع غزة، لم تعد معاناة الحرب تقتصر على فقدان البيوت أو شحّ الغذاء، بل امتدت لتطال تفاصيل الحياة اليومية الأكثر بساطة، تلك التي تشكّل جوهر الطفولة وطمأنينة العائلة. في بيئة تسيطر عليها الفاقة والحرمان، تجد كثير من الأمهات أنفسهن أمام معادلة قاسية: كيف يمكن حماية الأطفال من ألم الحرمان في وقت تعجز فيه الأسرة عن توفير أبسط الاحتياجات؟
هذا الواقع الإنساني المعقّد يعكس إحدى أكثر صور الفقر قسوة، حيث لا يقتصر الحرمان على نقص الموارد المادية، بل يتحول إلى عبء نفسي يثقل كاهل الآباء والأمهات على حد سواء. فالأم التي تضطر إلى إبقاء أطفالها داخل الخيمة كي لا يروا ما يأكله الآخرون في الخارج، لا تحاول فرض العزلة بقدر ما تحاول حماية مشاعرهم من خيبة يومية يصعب تفسيرها لطفل صغير.
مواقف يومية قاسية
في مخيمات النزوح، حيث الفقر والجوع يثقلان كاهل العائلات، تعيش كثير من الأمهات مواقف يومية قاسية، ربما كان أشدها ألما أن تضطر الأم إلى إبقاء أطفالها داخل الخيمة، كي لا يروا ما يأكله غيرهم من الأطفال في الخارج. تقف الأم هنا بين وجعين: وجع رؤية أطفالها محرومين، ووجع عجزها عن تلبية رغباتهم البسيطة. وفي كثير من الأحيان لا تجد حلا سوى حبسهم داخل الخيمة، حتى لا تتعلق أعينهم بطعام لا تملكه.
تقول سناء النبريص (33 عاما)، وهي أرملة تعيل خمسة أطفال، بصوت تختلط فيه الكلمات بالبكاء: “استشهد زوجي قبل عام، ومنذ ذلك اليوم وأنا أواجه وحدي إعصاراً من المسؤوليات التي تستهلكني نفسياً يوماً بعد يوم “أحاول قدر استطاعتي أن أوفر لأطفالي ما يحتاجونه، لكنني مؤخراً لم أعد قادرة حتى على تلبية أبسط رغباتهم”. حسب وكالة صفا.
وتتابع: “عندما يرون أحداً يحمل فاكهة أو حلويات، يركضون إليّ فوراً ويطلبون مثلها. عندها تبدأ معركتي؛ فلا أنا أحتمل حرمانهم، ولا أستطيع شراء ما يشتهونه. “لم أجد حلاً سوى إبقائهم داخل الخيمة ومنعهم من الخروج إلا للضرورة.. نعم، أحيانا أضطر إلى حبسهم. حالتي النفسية صعبة جداً، وكأن حياة الخيمة بكل قسوتها لم تكن كافية”.
علا الربيعي: نعيش على تكايا الطعام
ولا يختلف حال المواطنة علا الربيعي (34 عاما)، وهي أم لطفلين وزوجها مصاب ومقعد عن العمل. تقول: “نعيش على تكايا الطعام التي تقدمها إدارة المخيم، فزوجي لا يقوى على العمل “أخشى أن يرى أطفالي ما يأكله الناس خارج الخيمة، لذلك أبقيهما داخلها معظم الوقت، حتى لا يعودا إليّ باكيين يطلبان فاكهة أو طعاماً لا أستطيع شراءه. “أحياناً، عندما يشتد بكاؤهما، أجد نفسي مضطرة إلى ضربهما كي يتوقفا، رغم أن ذلك يؤلمني أكثر مما يؤلمهما”.
من جانبها، تقول الطفلة بتول أحمد (9 سنوات): “تمنعني أمي من الخروج من الخيمة، لأنني في مرة طلبت منها القطائف. عندما بكيت لأنني أريد أكلها، ضربتني وحبستني في الخيمة. “أحياناً عندما أرى أشخاصاً يحملون الفواكه أو الحلويات أجري خلفهم وأطلب منهم بخجل أن يعطوني قليلاً منها. بعضهم يعطيني، وبعضهم يرفض “في يوم عرفت أمي بما فعلت، فضربني والدي ضرباً شديداً”. حسب وكالة صفا.
وتختم الطفلة حديثها ببراءة موجعة: “أنا مثل باقي الأطفال، أشتهي الحلويات والسكاكر، لكنني لا أملك سوى أن أنظر إليها دون أن أتذوقها، لأن والدي لا يعمل وليس لدينا دخل”.
فيشير حمد: نشعر بالعجز والتقصير تجاه أطفالنا
ويقول الأخصائي الاجتماعي والنفسي أحمد حمد إن مثل هذه الظروف تترك آثاراً نفسية عميقة على الأطفال “عندما يرى الطفل غيره يحصل على أشياء لا يستطيع الحصول عليها، قد يشعر بالإحباط وفقدان الأمان، ويبدأ بمقارنة نفسه بالآخرين، ما يولد لديه شعوراً بالظلم وانخفاض تقدير الذات. فضلا عن أن هذه المشاعر قد تتحول لاحقاً إلى سلوكيات مثل العناد والبكاء والعدوانية، خاصة إذا تعرض الطفل للسخرية من أقرانه.
أما بالنسبة للأهل، فيشير حمد إلى أنهم يعيشون بدورهم ضغطا نفسيا شديدا، نتيجة شعورهم بالعجز والتقصير لعدم قدرتهم على تلبية احتياجات أطفالهم، خصوصاً في ظل الفقر والنزوح “من المهم أن يحاول الأهل شرح الظروف للأطفال بلطف، وتعزيز القيم غير المادية مثل الحب والاهتمام، للتخفيف من آثار الحرمان”.
ويعيش أطفال قطاع غزة في مخيمات النزوح كارثة إنسانية غير مسبوقة؛ إذ قُتل نحو 20 ألف طفل، وفق إحصائيات وزارة الصحة، فيما يواجه آلاف آخرون خطر الموت جوعاً وبرداً بسبب نقص الغذاء والمأوى. كما يعاني الأطفال من انعدام الرعاية الصحية، والصدمات النفسية، وغياب التعليم، في واقع يهدد طفولتهم ومستقبلهم.





