في ظل التصعيد العسكري غير المسبوق الذي شهدته المنطقة خلال الأسابيع الماضية، تتزايد التساؤلات حول طبيعة مراكز صنع القرار داخل إيران، خاصة بعد مقتل المرشد الإيراني السابق علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين خلال الهجوم الذي استهدف مواقع حساسة في بداية الحرب.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، برز اسم مجتبى خامنئي باعتباره الشخصية الأكثر إثارة للجدل والغموض داخل النظام الإيراني، بعدما كشفت تقارير استخباراتية أميركية أن الرجل، رغم إصاباته الخطيرة وعزلته المشددة، لا يزال يلعب دوراً محورياً في إدارة الحرب والمفاوضات مع الولايات المتحدة.
وبحسب ما نقلته شبكة «سي إن إن» عن مصادر مطلعة على التقييمات الاستخباراتية الأميركية، فإن خامنئي الجديد يشارك بصورة مباشرة في رسم استراتيجية إيران العسكرية والسياسية، وسط انقسامات متزايدة داخل مؤسسات الحكم الإيرانية.
حروق بالغة وعزلة كاملة عن العالم
وكشفت التقارير الأميركية صورة غامضة ومثيرة بشأن الحالة الصحية للزعيم الإيراني الجديد، مؤكدة أنه تعرض لحروق شديدة خلال الهجوم الذي أودى بحياة والده وعدد من كبار قادة المؤسسة العسكرية الإيرانية.
ووفق المعلومات المتداولة، فإن الإصابات شملت أجزاء واسعة من جسده، بينها الوجه والذراع والجذع والساق، ما دفعه إلى العيش في عزلة شبه كاملة بعيداً عن الظهور العلني منذ اندلاع الحرب.
وأشارت المصادر إلى أن خامنئي يتجنب استخدام أي وسائل اتصال إلكترونية، خشية تعقب موقعه أو اختراق اتصالاته، معتمداً فقط على اللقاءات المباشرة المحدودة أو نقل الرسائل عبر وسطاء موثوقين.
وزادت هذه العزلة غير المسبوقة من حالة الغموض داخل إيران، وأثارت تساؤلات واسعة داخل الدوائر السياسية والاستخباراتية الغربية بشأن مدى قدرته الفعلية على إدارة الدولة في هذه المرحلة الحساسة.
الاستخبارات الأميركية تبحث عن “الرجل المختفي”
ورغم إعلان تعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى جديداً لإيران بعد أيام من الهجوم، فإن مجتمع الاستخبارات الأميركي، وفق التقارير، لم يتمكن حتى الآن من التحقق بصرياً من مكان وجوده أو ظهوره بشكل مباشر.
ويعتمد الجانب الأميركي بصورة أساسية على المعلومات التي يتم جمعها من الشخصيات والمسؤولين الذين تمكنوا من لقائه خلال الفترة الماضية، وهو ما يعكس حجم السرية المحيطة بالرجل الذي بات يمثل رأس السلطة الإيرانية.
وفتح هذا الغموض الباب أمام سيناريوهات متعددة داخل مراكز الأبحاث الغربية، بعضها يتحدث عن احتمال وجود دائرة ضيقة تدير الحكم فعلياً باسم خامنئي، بينما يرى آخرون أن الرجل لا يزال يحتفظ بنفوذ قوي رغم إصاباته.
أول ظهور غير مباشر عبر «بزشكيان»
وفي أول إشارة رسمية إلى تحسن حالته، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أنه عقد اجتماعاً مطولاً مع خامنئي استمر نحو ساعتين ونصف الساعة، في أول لقاء مباشر يُكشف عنه بين مسؤول إيراني بارز والمرشد الجديد منذ اندلاع الحرب.
وحمل اللقاء رسائل سياسية مهمة، أبرزها محاولة طهران التأكيد على استمرار عمل مؤسسات الدولة وعدم وجود فراغ في هرم السلطة، رغم الضربات العسكرية القاسية التي تعرضت لها إيران.
وفي المقابل، سعى مسؤولون إيرانيون إلى التقليل من خطورة إصاباته، حيث قال مظاهر حسيني، رئيس المراسم في مكتب المرشد، إن خامنئي “يتمتع الآن بصحة كاملة”، موضحاً أن الإصابات اقتصرت على “جروح طفيفة” وشظية خلف الأذن، مؤكداً أن الجروح تلتئم تدريجياً.
«الحرس الثوري» يمسك بزمام العمليات اليومية
ورغم الحديث عن مشاركة مجتبى خامنئي في رسم استراتيجية التفاوض وإنهاء الحرب، فإن التقديرات الأميركية تشير إلى أن القيادة اليومية للعمليات العسكرية والأمنية باتت عملياً في يد قيادات الحرس الثوري الإيراني، بالتعاون مع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف.
وتشير المعلومات إلى أن قادة الحرس الثوري أصبحوا يديرون الملفات التنفيذية والعسكرية بصورة مباشرة، في ظل صعوبة التواصل المستمر مع خامنئي بسبب وضعه الصحي والإجراءات الأمنية المحيطة به.
وبحسب أحد المصادر المطلعة على التقييمات الأميركية، فإنه “لا توجد مؤشرات واضحة على أن خامنئي يصدر أوامر بشكل دائم”، لكن في الوقت نفسه “لا توجد أدلة تنفي احتفاظه بالنفوذ الكامل”.
قدرات إيران العسكرية.. تضررت لكنها لم تنهَر
وأكدت التقارير الاستخباراتية الأميركية أن الضربات العسكرية الأخيرة ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية العسكرية الإيرانية، لكنها لم تنجح في تدميرها بالكامل.
ووفقاً للتقييمات، فإن نسبة كبيرة من منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية لا تزال تعمل، بعدما تمكنت طهران من استعادة جزء من قدراتها خلال فترات التهدئة ووقف إطلاق النار.
كما أشارت تقديرات وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية إلى أن الاقتصاد الإيراني، رغم الحصار والضغوط، قد يتمكن من الصمود لعدة أشهر إضافية قبل الوصول إلى مرحلة الانهيار الكامل.
هذه المعطيات تعكس، بحسب مراقبين، أن إيران لا تزال تمتلك أوراق ضغط مهمة في أي مفاوضات مقبلة، وهو ما يفسر استمرار الاتصالات السياسية غير المعلنة بين طهران وواشنطن بالتزامن مع التصعيد العسكري.
صراع نفوذ داخل النظام الإيراني
ويرى محللون أن ما يحدث داخل إيران حالياً يتجاوز مجرد أزمة صحية لزعيم جديد، بل يعكس صراعاً خفياً على مراكز النفوذ داخل النظام، بين المؤسسة الدينية التقليدية، وقيادات الحرس الثوري، والتيار السياسي المحيط بالحكومة.
ويبدو أن مجتبى خامنئيمجتبى خامنئي، رغم إصاباته وغموض وضعه، لا يزال يمثل نقطة التوازن الأساسية داخل هذا المشهد المعقد، خاصة مع حساسية المرحلة التي تواجهها إيران على المستويين الداخلي والخارجي.
ومع استمرار الحرب والتفاوض في آن واحد، تبقى الأسئلة مفتوحة حول مستقبل القيادة الإيرانية، وحدود الدور الحقيقي الذي يلعبه خامنئي الجديد خلف الأبواب المغلقة، في واحدة من أكثر الفترات اضطراباً بتاريخ الجمهورية الإسلامية.




