تعكس قصة عدنان أبو لبدة تحول الاقتصاد الفردي في رفح من نموذج كفاح صغير ومتنام إلى خسارة كلية بفعل الحرب، حيث لم تقتصر الضربة على تدمير الممتلكات، بل طالت دورة الحياة الاقتصادية والاجتماعية التي كان يبنيها الشاب الثلاثيني خطوة خطوة، المطاعم الشعبية التي شكلت مصدر رزقه واستقراره المستقبلي تحولت إلى أبواب مغلقة في مدينة شبه مدمرة، بينما أُجبر هو على النزوح نحو مواصي خان يونس، المنطقة التي أصبحت ملاذًا مؤقتًا لعشرات آلاف النازحين.
تكشف هذه التجربة عن تحول لافت في أدوار الأفراد داخل مجتمع يواجه انهيارًا واسعًا في البنية التحتية والاقتصاد المحلي. فبدل أن يكون صاحب مشروع خاص يخدم سوقًا مستقرة نسبيًا، وجد عدنان نفسه جزءًا من اقتصاد الطوارئ القائم على التكايا والمساعدات والشراكات الإنسانية.
الحرب حصدت رفح
لم يكن عدنان أبو لبدة (30 عامًا) يتخيل أن سنوات تعبه في رفح، وهو يؤسس مطاعمه الشعبية الصغيرة ويكبرها واحدًا تلو الآخر، ستتحول في لحظة إلى ذكرى بعيدة معلّقة على أبواب مغلقة ومعدات تركها خلفه على أمل العودة القريبة.
كان الشاب الثلاثيني من سكان محافظة رفح، يمتلك عدة مطاعم للأكلات الشعبية؛ الفلافل والحمص والفول. كان ينهض باكرًا ليتفقد العمال ويشرف على تفاصيل العمل بنفسه، ويدخر من عرقه ليبني بيتًا جديدًا لم تمضِ على السكن فيه سوى أشهر قليلة، واضعًا نصب عينيه أن يكون بيت الزواج الذي طالما حلم به. حسب وفا.
لكن الحرب جاءت ثقيلة، حصدت رفح كما حصدت غيرها من محافظات قطاع غزة، ومسحت معها تعب السنين وادخارها. اضطر عدنان إلى النزوح قسرًا نحو مواصي خان يونس، تاركًا بيته الجديد ومحلاته بكامل معداتها، على أمل ألا تطول الأيام ويعود. غير أن الأيام طالت، والحرب اتسعت، حتى باتت رفح، كما يصفها، “ذاكرة مهدمة”.
في خيام النزوح، حيث الرمل يمتد حتى البحر، والرياح لا تكف عن العبث بأطراف الخيام البالية والمهترئة، وجد عدنان نفسه أمام سؤال البقاء. لم يعد يملك مطاعمه، لكنه يملك خبرته. فافتتح مطبخًا متواضعًا في منطقة المواصي على ساحل محافظة خان يونس، ليطبخ للنازحين الذين أنهكتهم الحرب والجوع.
تأمين عدة موائد إفطار
“بدأنا بإمكانيات بسيطة جدًا، بمعدات ومطبخ متواضعين، لكن الحاجة كانت أكبر من كل الإمكانيات. كنّا نطهو ما يتيسر ونوزعه على الخيام القريبة”. ومع الوقت، تيسرت بعض الأمور، وتعاقد مع عدد من المؤسسات والأفراد لتجهيز وجبات تُقدَّم للنازحين، خصوصًا في شهر رمضان المبارك. حسب تصريحات عدنان لـ “وفا”.
في مخيم الطاهر، التابع لعائلة الحاج يعقوب الآغا، والذي يضم أكثر من 250 عائلة من مختلف أنحاء قطاع غزة، تنظم في كل عام مع حلول رمضان إفطارات جماعية، استطاع عدنان من خلالها، وبالتعاون مع الجهات الداعمة، تأمين عدة موائد إفطار جمعت عشرات العائلات تحت خيمة واحدة.
في إحدى تلك الإفطارات، جلست المواطنة ابتسام الخالدي، التي استشهد زوجها في شهر تموز/يوليو 2025، وتعيل ولدًا وثلاث بنات، تراقب أبناءها وهم يأكلون وجبة طالما غابت عن مائدتهم. بالنسبة لابتسام، لم تكن المسألة مجرد وجبة مشبعة، بل لحظة استعادة مؤقتة لطقوس فقدتها العائلة منذ استشهاد معيلها، وسط واقع معيشي يزداد قسوة يومًا بعد يوم.
تقول ابتسام: “هذه أول مرة آتي مع أولادي إلى إفطار جماعي داخل الخيمة. لم يعد في بيتنا لحم أو دجاج، والأولاد يطلبون اللحم وقد ملّوا البطاطا والعدس والمجدرة. قررت أن أصطحبهم إلى الإفطار الجماعي، وكان الطعام يومها دجاجًا مع الأرز. أكلنا جميعًا، وكانت الرائحة شهية، والدجاج بكمية مناسبة. بعدها صرت أحرص على الحضور كلما كان هناك إفطار جماعي”.
المبادرات شريان حياة
أما زهير القرا (58 عامًا)، من سكان خان يونس والنازح حاليًا في مخيم الطاهر بالمواصي، فهو أب لأربع بنات وثلاثة أبناء، ووالد لشهيد. يعاني نصف أبنائه أمراضًا وراثية، ولا يعمل هو أو زوجته، ويعتمدون بشكل أساسي على التكايا والمساعدات.
يقول عدنان إن حالة زهير، الرجل البسيط المهموم دائمًا، تحظى بعناية خاصة: “نأخذ وضعه بعين الاعتبار بشكل إنساني، ونحاول أن نوصل الطعام إلى داخل خيمته، نظرًا للظروف الصحية لأبنائه وبناته”. في خيمة زهير، تتحول الوجبة اليومية إلى ضرورة طبية أحيانًا، لا مجرد حاجة غذائية.
زهير، الذي أثقلته السنوات والحرب معًا، يرى في هذه المبادرات شريان حياة: “نعيش على ما يصلنا من التكايا. لولاها لما عرفنا كيف نوفّر الطعام، خاصة مع ارتفاع الأسعار بشكل كبير مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب”.
بدوره، يقول حمادة القاضي (50 عامًا): “أذهب إلى الإفطار الجماعي حبًا بأكل الجماعة، وأحب أن ألبي دعوة إدارة المخيم. نجتمع ونتحدث مع جيراننا في الخيام، ونكسر شيئًا من العزلة. كما أننا لا نقوى على المصاريف اليومية، فالتكية توفر جزءًا مهمًا من النفقات، خصوصًا في ظل ارتفاع الأسعار”.
سد فجوة الجوع
في المواصي، حيث تتكدس الخيام على امتداد الساحل، لا تُقاس قيمة المبادرات بحجمها، بل بقدرتها على سد فجوة الجوع وإعادة شيء من الإحساس بالحياة الطبيعية. فالمطبخ الذي بدأ بموقد صغير، بات اليوم مساحة لقاء، ومتنفسًا لأسر أنهكها النزوح وفقدان الأحبة والممتلكات.
عدنان، الذي خسر بيته الجديد ومطاعمه في رفح، لم يستسلم لفكرة الخسارة الكاملة. يحاول أن يعيد بناء ذاته من خلال خدمة غيره، منتظرًا اليوم الذي يعود فيه إلى مدينته، ويعيد فتح أبواب محلاته، لا ليبيع الفلافل والحمص فحسب، بل ليعلن أن ما هدمته الحرب يمكن أن يُبنى من جديد، ولو من بين ركام الذكريات.
وعلى مدار أكثر من عامين شن الاحتلال الإسرائيلي حرب إبادة جماعية على قطاع غزة، خلفت أكثر من 72 ألف شهيد وما يزيد عن 171 ألف جريح، معظمهم أطفال ونساء، ودمارا طال 90% من البنية التحتية. ورغم التواصل لاتفاق وقف إطلاق نار في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، إلا أن الاحتلال يرتكب خروقات يومية أسفرت عن استشهاد 618 مواطنا وإصابة 1663 آخرين.





