يُعد بنيامين نتنياهو أحد أكثر الشخصيات السياسية تأثيراً في تاريخ إسرائيل الحديث، ليس فقط لطول فترة بقائه في سدة الحكم، وإنما أيضاً لقدرته الفائقة على المناورة السياسية واحتواء التناقضات داخل المجتمع الإسرائيلي والائتلافات الحكومية المعقدة. إلا أن هذه القدرة التي ساعدته في البقاء، باتت في السنوات الأخيرة جزءاً من المعضلة السياسية الكبرى التي تواجهها إسرائيل داخلياً وخارجياً. فالحديث عن قدرة نتنياهو على قيادة عملية سلام جدية لا يواجه عائقاً أيديولوجياً فقط، بل يصطدم أيضاً بجملة من العوامل الشخصية والمؤسساتية التي باتت تقيّد أي انفتاح سياسي، سواء تجاه الفلسطينيين أو تجاه المجتمع الدولي.
الخطاب الديني المتشدد
من حيث الشكل، يقود نتنياهو أكبر ائتلاف يميني في تاريخ إسرائيل، يضم قوى متطرفة مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، إضافة إلى الأحزاب الدينية الحريدية. وبحكم هذا الواقع السياسي، يستطيع الادعاء بأنه لا يملك القدرة على فرض أجندة سلام على حكومة يمثل فيها الخطاب الديني المتشدد والاستيطاني المهيمن الأساسي. غير أن التاريخ السياسي الإسرائيلي يكشف أن هذا التبرير ليس دقيقاً. فقد سبق لليمين أن قاد مساراً سياسياً مفصلياً في الصراع العربي – الإسرائيلي، عندما وقّع مناحيم بيغن اتفاق السلام مع مصر، متجاوزاً التوجهات الأيديولوجية لقاعدته، ومثبتاً بذلك أن القادة، عندما تتوافر لديهم الإرادة السياسية والشرعية الجماهيرية، قادرون على إحداث تحول تاريخي.
نتنياهو نفسه، في بداياته، لعب على وتر الاستعداد للسلام، متحدثاً عن دعمه لحل الدولتين، كما جاء في خطابه الشهير في جامعة “بار إيلان” عام 2009. لكنه سرعان ما تراجع عن هذا الالتزام عملياً، متذرعاً بالتغيرات على الأرض وبالتهديدات الأمنية، وبضرورة تعديل المبادرة العربية للسلام. وفي الحقيقة، لا يكشف هذا التراجع عن تقلب سياسي فقط، بل عن غياب الإرادة الفعلية لإحداث تحول استراتيجي في العلاقة مع الفلسطينيين. فنتنياهو، ومنذ سنوات، لا يدير ملف الصراع بوصفه قضية تستوجب حلاً، بل بوصفها ورقة سياسية داخلية ودولية، يمكن توظيفها لتعزيز وضعه في الحكم، أو لإضعاف خصومه، أو لتبرير سياسات أمنية واستيطانية توسعية.
رفض الدولة الفلسطينية
وهنا تبرز المعضلة الشخصية لنتنياهو، وهي علاقته بجهاز القضاء الإسرائيلي. فنتنياهو المتهم في ملفات فساد متشعبة، يخوض معركة وجودية ضد ما يسميه بـ”الدولة العميقة”، ويرى في بقائه في رئاسة الحكومة الضمانة الوحيدة لتجنب السجن. هذه المعركة جعلته يخضع بالكامل لإملاءات شركائه اليمينيين المتطرفين، الذين يرون في وجوده فرصة نادرة لتغيير طابع الدولة الإسرائيلية بالكامل، ليس فقط من حيث علاقتها بالفلسطينيين، بل من حيث بنيتها الداخلية، والقضاء على ما تبقى من الطابع الليبرالي العلماني للدولة.
وبهذا المعنى، فإن نتنياهو، ورغم كونه شخصية كاريزمية تحظى بدعم قطاع واسع من الجمهور الإسرائيلي، لم يعد مؤهلاً لقيادة مشروع سلام، لأنه بات رهينة لأجندات لا ترى في السلام هدفاً، بل عقبة في طريق مشروع أيديولوجي قومي ديني راديكالي. بل إن وجوده على رأس الحكم اليوم يخدم بالدرجة الأولى هدفين: حماية نفسه من المحاسبة القانونية، وتوفير الغطاء السياسي للتيارات المتطرفة التي تسعى إلى تفكيك النظام القضائي، وتوسيع الاستيطان، وربما إنهاء القضية الفلسطينية نهائياً من خلال رفض الدولة الفلسطينية وضم أجزاء من الضفة الغربية.
تجربة أرييل شارون
ومع ذلك، لا تزال بعض الدوائر الغربية تراهن على قدرة اليمين، لا اليسار، على تحقيق السلام، استناداً إلى تجربة بيغن، ومن بعدها، بدرجة أقل، تجربة أرييل شارون في الانسحاب من غزة. لكن ما يغيب عن هذا التحليل هو أن نتنياهو لا يشبه بيغن من حيث الاستقلالية الفكرية ولا من حيث النزاهة السياسية. فبيغن، رغم تاريخه الحربي، قرر الذهاب إلى السلام مع مصر على قاعدة “عدم تكرار الحروب”، أما نتنياهو فبنى مجده السياسي على تكريس فكرة “السلام المستحيل”، وتصوير الفلسطينيين كمصدر دائم للتهديد، وبالتالي تبرير استمرار الاحتلال والحصار.
الظرف السياسي الحالي يُعقّد الأمور أكثر، فإسرائيل ما بعد السابع من أكتوبر 2023 ليست كما قبلها. فشل الحكومة في منع هجوم “حماس”، والانكشاف الاستخباراتي والعسكري، شكلا ضربة لمكانة الدولة داخلياً وخارجياً. وبدلاً من الاعتراف بالمسؤولية، شنّ نتنياهو هجوماً واسعاً على مؤسسات الدولة، بدءاً من الجيش، مروراً بالمخابرات، وصولاً إلى القضاء والإعلام. وفي ظل هذا النهج التدميري، لم يعد هناك مجال لأي مبادرة سياسية ناضجة، بل أصبح النظام كله مرتهناً لحسابات فردية وانتقامية.
معركة إقناع الجمهور
التقديرات تشير إلى أنه في حال قرر نتنياهو فعلاً طرح مشروع سلام، فإنه قد ينجح في حشد تأييد واسع في الكنيست، يصل إلى نحو 100 نائب، إذا ما ضم تأييد أحزاب المعارضة الصهيونية والعربية، وأجزاء من حزبه. غير أن المسألة لم تعد تقنية أو حسابية، بل تتعلق بإرادة القيادة، وشرعية الطرح، وقدرة رئيس الحكومة على خوض معركة إقناع الجمهور بخطاب جديد، يختلف عن الخطاب الذي غذّاه لعقود عن “السلام المستحيل” و”الخطر الوجودي” و”الإرهاب الفلسطيني”.
العائق الأساسي أمام أي تقدم في ملف السلام في ظل الحكومة الحالية ليس المجتمع الإسرائيلي بحد ذاته، ولا حتى موازين القوى الحزبية، بل القيادة السياسية التي تمسك بمفاصل الحكم، وعلى رأسها نتنياهو. ففي حين أن اليمين الإسرائيلي قادر تاريخياً على تمرير اتفاقات سلام إذا أراد، فإن نتنياهو لا يبدو مستعداً ولا راغباً ولا قادراً على تبني هذا الخيار. إنه لا يدير فقط صراعاً مع الفلسطينيين، بل أيضاً مع الدولة العميقة، ومع خصومه في الداخل، ومع صورة إسرائيل في العالم. وهو في خضم هذه المعارك جميعاً، لا يرى في السلام مخرجاً، بل تهديداً لاستمراره في الحكم. وهذا ما يجعل الحديث عن إمكانية تحوّله إلى “بيغن جديد” أقرب إلى الوهم السياسي، منه إلى القراءة الواقعية.






