يدخل ميثاق الهجرة واللجوء الجديد حيز التنفيذ في دول الاتحاد الأوروبي، في خطوة تصفها بروكسل بأنها الأكثر شمولاً لإصلاح نظام اللجوء والهجرة منذ أزمة عام 2015.
ويهدف الميثاق إلى معالجة الثغرات التي كشفتها موجات الهجرة السابقة، عبر الجمع بين تشديد الرقابة على الحدود الخارجية للاتحاد وتسريع إجراءات اللجوء والترحيل، إلى جانب إنشاء آلية أكثر تنظيماً لتقاسم المسؤوليات بين الدول الأعضاء.
ويأتي هذا التحول في ظل استمرار الضغوط السياسية التي تمارسها أحزاب اليمين في عدد من الدول الأوروبية، والتي جعلت ملف الهجرة أحد أكثر القضايا حساسية داخل الاتحاد.
ماذا يحدث للمهاجرين عند الوصول؟
أبرز ما يقدمه النظام الجديد هو إنشاء آلية موحدة لفحص الوافدين إلى الاتحاد الأوروبي عبر الطرق غير النظامية.
وبمجرد وصول المهاجرين أو طالبي اللجوء إلى الحدود الخارجية للاتحاد، ستخضع بياناتهم للتسجيل الإجباري، مع إجراء تدقيق في الهوية والبصمات والحالة الصحية والخلفية الأمنية.
وخلال هذه المرحلة، التي يفترض ألا تتجاوز أسبوعاً واحداً، لن يُعتبر الأشخاص قانونياً قد دخلوا أراضي الاتحاد الأوروبي، بل سيبقون في مراكز أو مناطق مخصصة قرب الحدود أو داخل المطارات والموانئ الدولية.
ويهدف هذا الإجراء إلى تمكين السلطات الأوروبية من فرز الوافدين بسرعة وتحديد المسار المناسب لكل حالة.
مساران مختلفان لطلبات اللجوء
بعد انتهاء عملية الفرز، يُحال الوافدون إلى أحد مسارين رئيسيين.
المسار الأول يخص الأشخاص الذين تبدو فرص حصولهم على الحماية الدولية مرتفعة، حيث يسمح لهم بدخول الدولة المعنية لمتابعة دراسة طلباتهم ضمن إجراءات اللجوء العادية.
أما المسار الثاني فيشمل الأشخاص الذين تعتبر طلباتهم ضعيفة أو الذين تصنفهم السلطات على أنهم يشكلون مخاطر أمنية أو قدموا معلومات مضللة. وتتم معالجة ملفات هذه الفئة ضمن إجراءات حدودية سريعة مع بقائهم في مناطق الانتظار إلى حين صدور القرار النهائي.
وبموجب القواعد الجديدة، تسعى بروكسل إلى تقليص المدد الزمنية اللازمة لاتخاذ القرارات مقارنة بالنظام السابق الذي كان يسمح ببقاء بعض الملفات معلقة لسنوات.
تعزيز الرقابة على حدود شنغن
يركز الميثاق بشكل واضح على حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، من خلال توحيد قواعد التسجيل والتفتيش في جميع الدول الأعضاء.
وترى المفوضية الأوروبية أن تفاوت الإجراءات بين الدول كان أحد أبرز نقاط الضعف في النظام السابق، الأمر الذي سمح بحدوث تحركات غير نظامية داخل فضاء شنغن.
ومن شأن القواعد الجديدة أن تمنح سلطات الحدود أدوات أكبر لمراقبة الوافدين والتعامل مع الحالات التي تعتبرها خطراً أمنياً أو صحياً قبل السماح لها بالدخول.
قاعدة بيانات أكثر شمولاً
يعتمد الميثاق أيضاً على تطوير نظام “يوروداك”، وهو قاعدة البيانات الأوروبية الخاصة ببصمات المهاجرين وطالبي اللجوء.
ويهدف توسيع قاعدة البيانات إلى تسهيل تتبع حركة المتقدمين بطلبات اللجوء داخل الاتحاد الأوروبي، والحد من ظاهرة انتقالهم بين عدة دول لتقديم طلبات متعددة.
وتعتبر بروكسل أن تحسين تبادل المعلومات بين الدول الأعضاء يمثل عنصراً أساسياً في إدارة أكثر فاعلية للهجرة.
آلية تضامن إلزامية بين الدول الأعضاء
إحدى أكثر النقاط إثارة للجدل داخل الميثاق تتعلق بآلية التضامن الجديدة.
ففي السابق كانت مساعدة الدول الواقعة على خطوط الهجرة الأمامية، مثل إيطاليا واليونان، تعتمد بدرجة كبيرة على التزامات طوعية من بقية الدول الأوروبية.
أما الآن، فيفرض النظام الجديد شكلاً من أشكال التضامن الإلزامي، سواء عبر استقبال جزء من طالبي اللجوء أو تقديم مساهمات مالية ولوجستية للدول التي تواجه ضغوطاً كبيرة.
ويهدف هذا التغيير إلى منع تركز أعباء الهجرة في عدد محدود من الدول الحدودية.
كيف سيتعامل الاتحاد مع الأزمات؟
يتضمن الميثاق لأول مرة إطاراً قانونياً خاصاً بحالات الطوارئ المرتبطة بالهجرة.
ويمنح هذا الإطار المؤسسات الأوروبية والدول الأعضاء صلاحيات أوسع للتحرك السريع عند حدوث تدفقات مفاجئة للمهاجرين أو أزمات إنسانية واسعة النطاق أو حالات استغلال سياسي للهجرة.
كما يسمح بتوفير دعم مالي وتشغيلي عاجل للدول التي تتعرض لضغوط استثنائية على أنظمة اللجوء لديها.
بين الأمن وحقوق الإنسان
رغم أن بروكسل تؤكد أن الميثاق الجديد يوفر ضمانات قانونية أوسع لطالبي اللجوء، بما في ذلك الحق في الاستشارة القانونية والمساعدة الإجرائية وتحسين ظروف الاستقبال، فإن منظمات حقوقية أعربت عن مخاوفها من أن تؤدي الإجراءات الحدودية المشددة إلى تقييد فرص الوصول إلى الحماية الدولية.
ويرى منتقدون أن التركيز المتزايد على الردع والرقابة قد يأتي على حساب حقوق اللاجئين، بينما تؤكد المؤسسات الأوروبية أن الهدف هو تحقيق توازن بين حماية الحدود واحترام الالتزامات الإنسانية والقانونية للاتحاد.
هل ينجح الميثاق في حل أزمة الهجرة؟
يمثل الميثاق الأوروبي الجديد محاولة لإيجاد صيغة وسط بين الدول المطالبة بتشديد الرقابة على الحدود وتلك التي تدعو إلى تقاسم أكثر عدالة لمسؤولية استقبال اللاجئين.
لكن نجاحه سيعتمد في النهاية على قدرة الدول الأعضاء على تنفيذ القواعد الجديدة بصورة موحدة، وعلى مدى قدرة الاتحاد الأوروبي على التعامل مع أزمات الهجرة المستقبلية دون العودة إلى الانقسامات التي شهدتها أوروبا خلال العقد الماضي.




