رغم مرور أكثر من عامين على الحرب الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة، وما رافقها من إنفاق عسكري ضخم وتعويضات مالية واسعة النطاق، فإن الاقتصاد الإسرائيلي لا يزال يظهر قدرة لافتة على الصمود، في مشهد أربك كثيراً من التوقعات التي تحدثت منذ البداية عن انهيار اقتصادي وشيك.
وتتصاعد تحذيرات المؤسسات الدولية من اتساع العجز المالي وارتفاع الدين العام واستنزاف أدوات الحماية الاقتصادية التي اعتمدت عليها إسرائيل منذ اندلاع الحرب. هذا التناقض بين الصلابة الظاهرة والهشاشة المتراكمة يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول حقيقة الوضع الاقتصادي الإسرائيلي، وما إذا كان ما يجري يمثل قدرة استثنائية على التكيف أم مجرد تأجيل لأزمة أكبر قد تنفجر مع استمرار الحرب وتزايد الأعباء الأمنية والمالية في السنوات المقبلة.
أزمة اقتصادية في إسرائيل
ميراف أرلوزوروف، المحللة في صحيفة “ذي ماركر” الاقتصادية (8 أيار/ مايو)، ذكرت أن “جميع الاقتصاديين توقّعوا، منذ أكثر من ثلاث سنوات، حدوث أزمة اقتصادية في إسرائيل بسبب خطة الانقلاب على النظام القضائي، وبصورة أكبر في أعقاب الحرب، إلا أن هذه التوقعات تبيّنت، مرة بعد أخرى، على أنها غير دقيقة”. حسب عرب 48.
وأضافت أن “الاقتصاد الإسرائيلي يتمتع بقدرة صمود استثنائية لا يملك أحد تفسيرًا واضحًا لها، كما لا يستطيع أحد الجزم بما إذا كان سيواصل الصمود أيضًا في مواجهة تصاعد الدين الحكومي الإسرائيلي”. ومعظم الاقتصاديين نظروا إلى المستقبل بتشاؤم شديد، وأن تخفيضات التصنيف الائتماني لإسرائيل عكست في حينه هذا الإجماع الاقتصادي القاتم. غير أن السنوات مرّت، والحرب ازدادت حدّة، فيما واصل الاقتصاد الإسرائيلي تجاوز تداعياتها والاستمرار في إظهار قدر من التماسك.
يشير تقرير وكالة “ستاندرد آند بورز غلوبال” للتصنيفات الائتمانية (9 أيار/ مايو)، إلى أن الحالة الاقتصادية في إسرائيل ليست وردية إلى هذا الحد. كما أن الصراعات المستمرة المرتبطة بإيران وغزة ولبنان تواصل ممارسة ضغوط كبيرة على الاقتصاد الإسرائيلي، وسوق العمل، والمالية العامة. فضلا عن أن “المخاطر الجيوسياسية التي تواجه إسرائيل ستظل مرتفعة”، في ظل هشاشة البيئة الأمنية الإقليمية، واستمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران.
عجز حكومي بسبب أثار الحرب
وقدّرت الوكالة أن الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي انكمش بنحو 10% على أساس سنوي خلال الربع الأول من عام 2026، نتيجة تداعيات الحرب على إيران. كما رجّحت أن يبقى الناتج المحلي الإجمالي دون المسار الذي كان متوقعًا له قبل الحرب، بسبب الآثار الممتدة للصراعات العسكرية، واستمرار القيود على عرض العمالة، وبقاء عدد العمال المجندين في الجيش أعلى من مستوياته التي كانت سائدة قبل عام 2023.
وأشارت “ستاندرد آند بورز” إلى أن “قطاع البناء، الذي يمثل 5% من الناتج المحلي الإجمالي، لا يزال متأثرًا بعدم تعويض العمال الفلسطينيين السابقين إلا جزئيًّا بعمالة أجنبية، وبالتالي استمرار ضغوط سوق العمل والإنتاج في أحد القطاعات الاقتصادية المهمة”.
وتوقعت الوكالة أن يبقى العجز الحكومي العام واسعًا في 2026، وأن يتراجع بشكل محدود فقط بعد ذلك. وقدّرت أن “الإنفاق الأمني سيتجاوز 7% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، وأن يظل أعلى من مستوياته قبل 2023. وتوقعت “ستاندرد آند بورز” عجزًا حكوميًا عامًا عند 6% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، و4.7% في 2027، وعجزًا في الحكومة المركزية عند 5.3% في 2026، و4.4% في 2027.
إسرائيل تستنفد أدوات الحماية الاقتصادية
ورجّحت الوكالة أن “يدفع العجز المالي المرتفع صافيَ الدين الحكومي العام إلى 68% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2029، في تراجع واضح مقارنة بتوقعاتها قبل 2023″، حين كانت ترجّح انخفاض صافي الدين إلى أقل من 55% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026 وما بعدها.
وبذلك، يمكن ملاحظة أن تقديرات مؤسسات التصنيف والائتمان الدولية، التي تركّز بصورة أساسية على المؤشرات المالية الحكومية، تختلف، حتى الآن، إلى حدّ ما عن المعطيات المرتبطة بالأداء الكلي للاقتصاد الإسرائيلي. فالمؤسسات المالية الدولية تستند في تحليلاتها إلى مؤشرات وتقديرات مالية واقتصادية صرفة، في حين يذهب جزء من التحليل الإسرائيلي إلى تقديم تفسيرات ذات أبعاد سياسية ونفسية، يُدَّعى أن بعضها يرتبط بخصوصية الحالة الإسرائيلية، في محاولة لتفسير واقع اقتصادي يصعب، حتى الآن، تفسيره بالكامل عبر الأدوات الاقتصادية التقليدية.
ولا بد من الإشارة إلى أنه، حتى في الوقت الحالي، ما يزال الاقتصاديون في إسرائيل يطرحون توقعات مستقبلية غير متفائلة. فكل من بنك إسرائيل ووزارة المالية الإسرائيلية يحذّران من الوقوع في حالة من النشوة الاقتصادية، ومن الاعتقاد بأن الوضع القائم يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. ويتمثل القلق الأساسي، بحسب هذه التقديرات، في أن إسرائيل استنفدت إلى حدّ كبير أدوات الحماية الاقتصادية التي كانت تملكها لمواجهة الأزمات والصدمات المالية.
إسرائيل تلجأ إلى جباية الضرائب
وكل ذلك يأتي حتى قبل الحديث عن الأرقام القياسية في الأسواق المالية، فالائتمان في الاقتصاد الإسرائيلي يواصل النمو، في وقت تُسجَّل فيه معدلات التأخر في سداد القروض عند مستويات متدنية جدًا. ويضاف إلى ذلك قوة الشيكل، الذي وصل إلى أعلى مستوياته منذ عشرين عامًا، إلى جانب مؤشرات الأسهم في بورصة تل أبيب التي بلغت مستويات قياسية غير مسبوقة.
وقد كان لافتًا في الأشهر الأخيرة الارتفاع الكبير في جباية الضرائب، بما فاق توقعات وزارة المالية الإسرائيلية نفسها. فعلى سبيل المثال، سُجّلت في آذار/ مارس 2026 زيادة حادة في جباية الضرائب، إذ ارتفعت الضرائب المباشرة بنحو 13%، فيما بلغ إجمالي الإيرادات الضريبية نحو 55 مليار شيكل، أي بزيادة تقارب 24% مقارنة بآذار/ مارس من العام السابق.
وجاء ذلك نتيجة ارتفاع مختلف أنواع الاقتطاعات الضريبية، وزيادة إيرادات ضريبة الشركات، إلى جانب عوامل استثنائية لمرة واحدة، مثل صفقات بيع الشركات في قطاع التكنولوجيا المتقدمة (الهايتك)، وقد ساهمت هذه الجباية المرتفعة في خفض العجز المالي إلى 4.2%. كما تشير التقديرات إلى أن إيرادات الضرائب في نيسان/ أبريل 2026، ستكون أعلى من المتوقع بنحو 3–4 مليارات شيكل.




