أظهرت التحقيقات العملياتية التي أجراها جيش الاحتلال حول أحداث 7 أكتوبر 2023، وما رافقها من اقتحام مستوطنة “حوليت”، حجم الإخفاقات التي واجهتها المنظومة العسكرية الإسرائيلية في الساعات الأولى للهجوم، سواء على مستوى الجاهزية المسبقة أو سرعة الاستجابة أو التنسيق بين الوحدات الميدانية.
النتائج كشفت عن حالة ارتباك واسعة وشلل في منظومة القيادة والسيطرة، ما أدى إلى ترك المستوطنة لساعات طويلة دون حماية فعالة، في وقت تمكنت فيه مجموعات المقاومة من فرض سيطرة ميدانية داخل المنطقة وتنفيذ تحركاتها دون مواجهة منظّمة. ويأتي هذا التقرير ضمن سلسلة مراجعات داخلية أوسع يسعى من خلالها الجيش إلى استخلاص الدروس وإعادة تقييم منظومته الدفاعية في الجنوب بعد واحدة من أكثر اللحظات العسكرية حساسية في تاريخه.
تقدير خاطئ وفرار من الميدان
وفقاً للتقرير الذي استند إلى شهادات ميدانية ومقاطع فيديو موثقة، فإن نحو 60 مقاوماً فلسطينياً تمكنوا من اقتحام الكيبوتس عند الساعة 6:59 صباحاً، وذلك عقب تفجير السياج الأمني الشرقي. وعلى الرغم من رصد مؤشرات أولية لتحركات ميدانية في المنطقة، إلا أن الاستجابة العسكرية كانت غائبة تماماً في الساعات الأولى، الأمر الذي ترك سكان الكيبوتس في مواجهة مباشرة مع الهجوم دون أي تدخل خارجي لعدة ساعات متواصلة.
وكشفت الوثائق الرسمية عن واقعة وُصفت داخل التحقيق بأنها “فرار من الميدان”، حيث وصلت مركبات دورية إلى محيط الكيبوتس عند الساعة 7:18 صباحاً، لكنها انسحبت بعد دقيقتين فقط من وصولها. وبرر الجنود هذا الانسحاب بتلقيهم تقارير تتحدث عن إصابة قائدهم في موقع آخر، وهو ما أدى عملياً إلى إخلاء المنطقة بالكامل وتركها مفتوحة أمام مقاتلي حماس للتحرك بين المنازل دون عوائق.
التحقيق الذي قاده العقيد إيلون بيريتز، أشار إلى أن جيش الاحتلال لم يكن مستعداً لأي سيناريو يتضمن هجوماً واسع النطاق ومتزامناً تنفذه آلاف من عناصر المقاومة على عشرات المواقع في آن واحد، حيث تسبب هذا التقدير الخاطئ في حالة من الارتباك الشديد داخل منظومة القيادة والسيطرة، ما أدى إلى شلل في التنسيق بين الوحدات التي وصلت لاحقاً، والتي عجزت عن تنظيم تدخلها أو وقف تقدم المقاومين داخل المستوطنة. حسب وكالات.
سيطرة ميدانية شبه كاملة للمقاومة على المنطقة
وفي تطور لافت، أوضح التحقيق أن أولى القوات البرية المنظمة لم تصل إلى “حوليت” إلا في الساعة 1:53 ظهراً، أي بعد مرور أكثر من سبع ساعات ونصف على بدء عملية الاقتحام. وقد منح هذا التأخير الزمني الطويل المقاومين سيطرة ميدانية شبه كاملة على المنطقة، مكّنهم من تنفيذ تحركاتهم والاشتباك مع القوات المتقدمة من مواقع أكثر أفضلية واستقراراً.
ولم يقتصر الإخفاق على القوات البرية فقط، بل شمل أيضاً سلاح الجو، حيث وصلت مروحية هجومية في وقت متأخر وحلّقت لمدة نصف ساعة دون أن تحقق أي نتائج ميدانية فعالة. وبيّن التقرير أن طاقم المروحية أطلق قذائف بشكل عشوائي في محاولة لتحديد مواقع المقاومين، إلا أن هذه المحاولة فشلت في رصد أي أهداف دقيقة أو تقديم دعم فعلي للقوات المحاصرة على الأرض.
التحقيق أشار إلى أن بعض القوات التي حاولت التدخل في المراحل الأولى اصطدمت بعوائق تقنية بسيطة حالت دون وصولها، من بينها عدم انفتاح البوابة الرئيسية للكيبوتس، إضافة إلى تعطل مركبة مدرعة كانت في طريقها إلى الموقع، وهو ما عكس وفق وصف التقرير حالة من الترهل الفني والعملياتي التي أصابت وحدات غلاف غزة خلال الساعات الأولى من المعركة.
أكاذيب حول نتائج التحقيقات
وفي خلاصة التقييم العملياتي، أكد الجيش أن فشله في الدفاع عن كيبوتس “حوليت” يعود بالأساس إلى عدم الاستعداد المسبق لهجوم واسع ومتزامن بهذا الحجم. كما أظهرت النتائج أن المقاومين الفلسطينيين امتلكوا قدرة عالية على المناورة والاختباء، حيث استمرت الاشتباكات المتقطعة داخل الكيبوتس ومحيطه لمدة وصلت إلى 30 ساعة متواصلة.
وحتى بعد وصول تعزيزات من لواء “جولاني” ووحدات عسكرية أخرى، واصل المقاومون تشكيل تهديد مباشر، ما أدى إلى إصابة عدد من الجنود الإسرائيليين بجروح متفاوتة. وفيما يتعلق بالجوانب الإدارية، أوضحت مصادر مطلعة أن الإعلان عن نتائج التحقيق تأخر لنحو ستة أشهر، وذلك بسبب الحاجة إلى استكمال فحص نحو 40 نقطة اشتباك أخرى وقعت في اليوم ذاته. حسب وكالة شهاب.
ووفقا لذات المصادر، فإن الهدف من هذا التأخير كان صياغة استنتاجات عملياتية يمكن للجيش الاستناد إليها في إعادة بناء منظومته الدفاعية في المنطقة الجنوبية. كما تضمنت التحقيقات اعترافات مباشرة بمقتل “منسق أمن الكيبوتس” وعدد من عناصر “فرقة الدفاع المدني” أثناء محاولتهم سد الفراغ الأمني الذي خلفه غياب الجيش في الساعات الأولى.
فشل كامل للمنظومة العسكرية
وأكد التقرير أن سوء التنسيق بين الوحدات وصل إلى حد دخول قوات من لواء “جولاني” إلى المنطقة دون إبلاغ الوحدات الأخرى، الأمر الذي كاد أن يتسبب بحوادث نيران صديقة، وفي تفصيل آخر أثار جدلاً واسعاً، أشار التحقيق إلى أن طاقم دبابة مكوّن بالكامل من النساء اضطر في نهاية المطاف إلى اقتحام البوابة المغلقة للكيبوتس، بهدف تمكين بقية القوات من الدخول عند الساعة الثانية ظهراً.
وأشار التقرير إلى أن المقاومين الذين اقتحموا “حوليت” كانوا يمتلكون معرفة دقيقة بتضاريس المنطقة وتوزيع المنازل، ما ساعدهم على التحرك بكفاءة عالية داخل المستوطنة، كما وثّقت الكاميرات قيام بعض المقاومين بالسماح لامرأة إسرائيلية وطفليها بمغادرة المكان والعودة، وهي واقعة أدرجها التحقيق ضمن تفاصيل إدارة المعركة الميدانية من قبل المهاجمين.
واختتمت اللجنة التي صادق على نتائجها رئيس الأركان السابق هرتسي هليفي، بأن الفشل كان شاملاً ولم يقتصر على وحدة بعينها، بل شمل مجمل المنظومة العسكرية في تلك المنطقة. وشددت على أن الدروس المستخلصة من هذه العملية تتطلب تغييرات جذرية في آليات حماية المستوطنات الحدودية، خاصة في ظل ما وصفته بقدرة المقاومة على تعطيل منظومات الرقابة والاستجابة السريعة.




