في توقيت بالغ الحساسية إقليمياً ودولياً، حملت زيارة وزير خارجية إيران عباس عراقجي إلى موسكو رسائل تتجاوز حدود التنسيق الثنائي، بعدما وضع أمن مضيق هرمز في صدارة أولويات المرحلة، واصفاً سلامة الملاحة فيه بأنها “مسألة عالمية مهمة”، في إشارة تعكس تنامي القلق الدولي تجاه أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، بالتوازي مع تحركات سياسية مرتبطة بمرحلة ما بعد الحرب والتصعيد بين إيران والولايات المتحدة.
مضيق هرمز.. رسالة تتجاوز الجغرافيا
وعكست تصريحات عراقجي من موسكو إدراكاً إيرانياً متزايداً لحساسية ملف أمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً حيوياً لتدفقات الطاقة والتجارة الدولية.
وركز الوزير الإيراني على أن مسؤولية تأمين الممر المائي لا تقتصر على الاعتبارات السيادية للدول المطلة عليه، بل ترتبط بمصالح دولية واسعة، ما يمنح تصريحاته بعداً سياسياً يتجاوز الطابع الفني أو البحري.
وأشار عراقجي إلى أن التنسيق مع سلطنة عُمان بشأن أمن المضيق يمثل جزءاً من رؤية مشتركة بين الدولتين الساحليتين لضمان الاستقرار وحماية المصالح المتبادلة، في ظل التوترات التي ألقت بظلالها على المنطقة خلال الفترة الأخيرة.
موسكو محطة لتنسيق ما بعد الحرب
وبدت الزيارة إلى روسيا أبعد من مجرد لقاء دبلوماسي اعتيادي، إذ وصفها عراقجي بأنها “فرصة جيدة” للتشاور مع موسكو بشأن تطورات المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل المتغيرات التي فرضتها الحرب مع إسرائيل والولايات المتحدة.
وتشير هذه التصريحات إلى أن إيران تنظر إلى موسكو باعتبارها شريكاً رئيسياً في ترتيبات ما بعد التصعيد، سواء فيما يتعلق بالحسابات الأمنية أو السياسية، مع سعي الجانبين لتنسيق المواقف بشأن ملفات إقليمية تتسم بدرجة عالية من التعقيد.
ويرى مراقبون أن اختيار موسكو لهذا التوقيت يعكس حرص إيران على تثبيت قنوات التشاور مع الحليف الروسي، خاصة في ظل تغير موازين القوى واحتدام النقاش حول مستقبل الترتيبات الإقليمية.
رسائل سياسية في توقيت حساس
وتحمل تصريحات وزير الخارجية الإيراني دلالات تتجاوز مضمونها المباشر، إذ جاءت بالتزامن مع تعثر مسارات التفاوض وتراجع فرص تحقيق اختراق سريع في جهود التهدئة بين طهران وواشنطن.
وتبرز الرسالة الإيرانية هنا في اتجاهين؛ الأول تأكيد أن أمن الملاحة في مضيق هرمز ملف دولي لا يمكن التعامل معه بمنطق الضغوط الأحادية، والثاني أن طهران تتحرك دبلوماسياً لبناء تفاهمات مع شركائها في مرحلة تتسم بإعادة تموضع سياسي وأمني واسع.
كما أن الربط بين ملف المضيق وزيارة موسكو يشي بمحاولة إيرانية لدمج الملفات الأمنية والجيواستراتيجية ضمن مقاربة تفاوضية أشمل.
تعثر التفاوض يدفع نحو البدائل
وتأتي هذه التحركات بينما تواجه المسارات التفاوضية بين إيران والولايات المتحدة حالة من الجمود، بعد إلغاء أو تأجيل جولات كانت مرتقبة، وهو ما يعكس صعوبة الوصول إلى تسوية قريبة في المدى المنظور.
وفي ظل هذا التعثر، تبدو الدبلوماسية الإيرانية أكثر ميلاً إلى تنشيط مسارات التنسيق مع قوى دولية وإقليمية، في محاولة لإدارة تداعيات الأزمة من خلال بدائل سياسية موازية للمسار التفاوضي التقليدي.
ويبدو أن زيارة عراقجي تندرج ضمن هذا السياق، بوصفها محاولة لاستشراف ترتيبات ما بعد المواجهة، وليس فقط التعامل مع تطوراتها الراهنة.
هرمز.. ورقة استراتيجية في المشهد
ويسلط إعادة طرح مضيق هرمز في الخطاب السياسي الإيراني بهذا الوضوح الضوء مجدداً على مكانته كورقة استراتيجية مؤثرة في معادلات الأمن والطاقة العالميين، فالممر الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية يظل أحد أكثر الملفات حساسية في أي معادلة تصعيد أو تهدئة، ما يجعل الحديث عن “أمنه” مرتبطاً تلقائياً بالاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والاستقرار الإقليمي.
ومن هذا المنطلق، تبدو تصريحات عراقجي محاولة لإعادة تأكيد أن أمن المضيق لا يمكن عزله عن التفاهمات السياسية الكبرى في المنطقة.
وتعكس زيارة موسكو وما رافقها من تصريحات أن إيران تتحرك على أكثر من مسار في آن واحد؛ تأمين مصالحها البحرية، تنسيق مواقفها مع الحلفاء، واستكشاف ملامح المرحلة التالية للصراع.
وبينما تتشابك الملفات من أمن الملاحة إلى مستقبل التهدئة الإقليمية، تبدو الرسالة الأبرز أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر استراتيجي في الحسابات الإيرانية، بل بات عنواناً مركزياً في معادلة الأمن الإقليمي والدولي، في وقت تسعى فيه موسكو وطهران إلى صياغة تفاهمات قد يكون لها تأثير مباشر على توازنات المنطقة خلال المرحلة المقبلة.




