في تحول مفاجئ وغير معلن رسميًا حتى الآن، وافقت حركة حماس على مقترح تقدّم به المبعوث الأمريكي الخاص إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، يقضي بوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وذلك وفق ما نقلته وكالة “رويترز” عن مسؤول فلسطيني مقرّب من الحركة. التطور الجديد يفتح الباب مجددًا أمام تسوية سياسية محتملة تنهي شهورًا من الحرب الضارية، وتُعيد ترتيب المشهد الغزي على أساس جديد، في ظل حراك دبلوماسي متسارع تقوده واشنطن بموازاة ضغوط إسرائيلية على الأرض.
المقترح الأميركي – الذي بات يُعرف باسم “مخطط ويتكوف” – لا يقتصر على مجرد تهدئة مؤقتة، بل يحمل تصورًا متدرجًا لاتفاق أشمل، يبدأ بصفقة جزئية لتبادل الأسرى، تشمل إطلاق سراح عشرة إسرائيليين على دفعتين، مقابل هدنة تمتد لـ70 يومًا، وانسحاب عسكري جزئي إسرائيلي من قطاع غزة. كما يتضمن البنود إطلاق عدد كبير من الأسرى الفلسطينيين، بينهم أصحاب أحكام عالية، ما يعطي الاتفاق بعدًا رمزيًا وسياسيًا مهمًا بالنسبة لحماس، التي تحتاج إلى مثل هذا الإنجاز لتمرير أية تسوية أمام جمهورها في الداخل والخارج.
لكن ما يُميز هذا التطور ليس فقط في التفاصيل اللوجستية، بل في التوقيت والدوافع. التصريحات التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب فجر اليوم، والتي تحدث فيها عن “أخبار سارة” قادمة بشأن غزة، تشير بوضوح إلى وجود تنسيق متقدّم بين البيت الأبيض وطرفي النزاع، وتكشف عن رغبة أميركية ملحة في إنهاء الحرب قبل دخول الاستحقاق الانتخابي الأميركي المقبل. فبالنسبة لإدارة ترامب، تمثل غزة ملفًا دقيقًا يمكن أن يُوظف في الداخل كإنجاز دبلوماسي، إذا ما تم التوصل إلى اتفاق يُنهي العمليات القتالية ويعيد بعض الهدوء إلى الشرق الأوسط.
في المقابل، لا تزال إسرائيل تتصرف عسكريًا على الأرض وكأن شيئًا لم يتغيّر. الهجمات مستمرة، والمجازر اليومية في القطاع لا تنقطع، فيما تشير مصادر دبلوماسية إلى أن واشنطن طلبت من حكومة تل أبيب تخفيف التصعيد الميداني وتوسيع نطاق دخول المساعدات الإنسانية، لتهيئة الأجواء أمام المفاوضات. هذا التباين بين الميدان والسياسة يعكس تعقيد الوضع، ويشير إلى وجود تيارات داخل إسرائيل غير متحمسة للمسار الدبلوماسي، وربما ترى أن أي هدنة حقيقية ستُبقي حماس على قيد الحياة السياسية، وهو ما يتناقض مع أهداف الحرب المعلنة سابقًا.
موافقة حماس على المقترح، وفق قناة “الأقصى”، تشمل – إلى جانب التهدئة المرحلية – موافقة مبدئية على وقف إطلاق نار دائم، ما يشير إلى استعداد الحركة للانخراط في تفاهمات طويلة الأمد، ربما تعيد ترتيب إدارة القطاع من خلال ما تم تسميته “لجنة الإسناد المجتمعي المستقلة”، وهي صيغة غامضة حتى اللحظة، لكنها قد تعكس محاولة لخلق إدارة مدنية جديدة للقطاع تُرضي جميع الأطراف، بمن فيهم المصريون والأميركيون.
لكن رغم هذه المؤشرات، تبقى المخاوف قائمة. فالاتفاقات المرحلية غالبًا ما تنهار تحت وطأة الشكوك المتبادلة، أو بفعل ضربة عسكرية مفاجئة تغير قواعد اللعبة. ومع غياب ضمانات دولية حقيقية، ومع استمرار الخطاب الإسرائيلي المتشدد، فإن أي مسار دبلوماسي سيظل هشًا وقابلاً للانفجار في أي لحظة.
ومع ذلك، فإن انخراط واشنطن في هذا التوقيت وبمستوى رفيع يحمل دلالات واضحة على أن هناك نافذة سياسية فُتحت، وإن كانت ضيقة. الإدارة الأميركية تراهن على حالة الإنهاك التي أصابت حماس ميدانيًا، وعلى رغبة إسرائيل في إنهاء الحرب دون خسائر استراتيجية، وعلى فرصة يمكن من خلالها تقديم “صفقة مقبولة” تُسوّق للرأي العام الدولي كخطوة نحو السلام، وللرأي العام الأميركي كنجاح دبلوماسي في وقت حساس.
الخلاصة أن ما يجري ليس مجرد “وقف إطلاق نار”، بل هو مشروع لتفكيك الحرب ضمن مراحل، تبدأ بأسرى وتنتهي بإعادة رسم معادلة غزة. لكن النجاح في تنفيذ هذا المسار يتوقف على قدرة كل طرف على تقديم تنازلات، وعلى وجود غطاء سياسي إقليمي ودولي يضمن عدم نسف التفاهمات تحت أول صاروخ أو غارة طائشة.






