أشعلت موجة الهجرة غير النظامية إلى مدينة سبتة الإسبانية نقاشًا سياسيًا وقانونيًا داخل الاتحاد الأوروبي، بعدما دعت الحكومة الإيطالية إلى تعليق مشاركة إسبانيا في منطقة شنغن، معتبرة أن مدريد أخفقت في حماية أحد الحدود الخارجية للاتحاد.
وجاءت الدعوة عقب وصول آلاف المهاجرين إلى سبتة انطلاقًا من الأراضي المغربية، وهو تطور أعاد ملف حماية الحدود والهجرة إلى صدارة الأجندة الأوروبية، في ظل تصاعد الضغوط على الحكومات المطالبة بتشديد الرقابة على المعابر الخارجية.
لكن، هل يملك الاتحاد الأوروبي بالفعل آلية قانونية تسمح بإخراج دولة عضو من منطقة شنغن؟
ما هي منطقة شنغن؟
تُعد منطقة شنغن أحد أبرز مشاريع التكامل الأوروبي، إذ تتيح حرية التنقل بين الدول الأعضاء من دون عمليات تفتيش أو رقابة على الحدود الداخلية.
بدأ المشروع باتفاقية وُقعت عام 1985، قبل أن تدخل حيز التنفيذ فعليًا عام 1995، وتوسعت عضويته تدريجيًا ليضم اليوم 29 دولة، تشمل معظم دول الاتحاد الأوروبي، إلى جانب أيسلندا والنرويج وسويسرا وليختنشتاين.
ويستفيد من هذا النظام ملايين الأوروبيين والمقيمين والزوار الذين يستطيعون التنقل بين الدول الأعضاء من دون المرور بإجراءات حدودية تقليدية.
هل يسمح القانون الأوروبي باستبعاد دولة؟
رغم حدة المواقف السياسية، فإن القواعد المنظمة لمنطقة شنغن لا تتضمن أي آلية تسمح بطرد أو تعليق عضوية دولة بقرار أحادي من دولة أخرى.
ويؤكد خبراء في القانون الأوروبي أن عضوية شنغن لا يمكن إنهاؤها بهذه الطريقة، لأن الاتفاقيات المؤسسة للمنطقة لا تنص على مثل هذا الإجراء.
وبالتالي، فإن الدعوات الإيطالية تبقى في إطار الضغط السياسي أكثر منها خيارًا قانونيًا قابلًا للتنفيذ وفق التشريعات الأوروبية الحالية.
ماذا تستطيع الدول فعله؟
في المقابل، يمنح قانون حدود شنغن الدول الأعضاء حق إعادة فرض رقابة مؤقتة على حدودها الداخلية في ظروف استثنائية.
ويشمل ذلك حالات تهديد الأمن الداخلي أو النظام العام، مثل:
- الهجمات الإرهابية.
- انتشار الجريمة المنظمة.
- الأزمات الصحية الكبرى.
- التدفقات المفاجئة وغير المسبوقة للمهاجرين إذا اعتُبرت تهديدًا لعمل منطقة شنغن.
إلا أن هذه الإجراءات تبقى مؤقتة ومحددة زمنيًا، ولا تعني تعليق عضوية الدولة المعنية في الاتفاقية.
دعم أوروبي وتحفظ قانوني
وجدت المبادرة الإيطالية تأييدًا من بعض الحكومات الأوروبية، إذ اعتبرت فنلندا أن الدول التي تعجز عن حماية الحدود الخارجية للاتحاد يجب أن تتحمل مسؤوليتها.
في المقابل، رفضت إسبانيا هذه التصريحات، ووصفتها بأنها “ديماغوجية”، كما استدعت السفير الإيطالي للاحتجاج على ما اعتبرته تصريحات غير مقبولة بين دولتين حليفتين داخل الاتحاد الأوروبي.
ويعكس هذا الانقسام استمرار الخلاف الأوروبي بشأن كيفية إدارة ملف الهجرة، بين دول تطالب بإجراءات أكثر صرامة وأخرى تدعو إلى حلول جماعية في إطار القوانين الأوروبية.
إجراءات إيطالية على القادمين من إسبانيا
ورغم عدم إمكانية استبعاد إسبانيا من شنغن، أعلنت روما تشديد الرقابة على القادمين من الأراضي الإسبانية عبر الموانئ والمطارات.
وأوضحت السلطات الإيطالية أن عمليات التفتيش ستستهدف المواطنين من خارج الاتحاد الأوروبي الذين يصلون من إسبانيا، في إطار إجراءات أمنية استثنائية، وليس إعادة العمل برقابة حدودية شاملة بين البلدين.
موقف بروكسل
من جهتها، أعربت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عن قلقها من مشاهد تدفق المهاجرين إلى سبتة، ووصفتها بأنها “غير مقبولة”.
لكن المفوضية الأوروبية تجنبت تأييد المقترح الإيطالي، مؤكدة أن الأولوية يجب أن تنصب على تعزيز حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، وليس على اتخاذ إجراءات ضد دولة عضو في منطقة شنغن.
كما شددت بروكسل على أن الأزمة تتركز في مدينة سبتة، وهي جيب إسباني يقع في شمال أفريقيا، وأن المهاجرين لم ينتقلوا بشكل جماعي إلى باقي دول الاتحاد، وهو ما يقلل من مبررات اتخاذ إجراءات استثنائية داخل فضاء شنغن.
هل تتغير قواعد شنغن؟
تعكس الأزمة الحالية تصاعد الضغوط على نظام شنغن مع تكرار موجات الهجرة غير النظامية، لكنها في الوقت نفسه تكشف حدود الأدوات القانونية المتاحة للدول الأعضاء.
فبينما تستطيع الحكومات إعادة فرض رقابة مؤقتة على حدودها الداخلية عند الضرورة، فإن استبعاد دولة من منطقة شنغن ليس خيارًا ينص عليه القانون الأوروبي في صورته الحالية.
ولذلك، من المرجح أن يظل النقاش خلال المرحلة المقبلة منصبًا على تعزيز حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، بدلاً من إعادة النظر في عضوية الدول داخل منطقة حرية التنقل.






