مرحلة سياسية شديدة الحساسية، تمر بها ليبيا، في تصاعد الخلافات حول المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وعودة شبح الانقسام المؤسسي في واحدة من أهم الهيئات الضامنة للمسار الديمقراطي، وتتعاظم المخاوف من تقويض ما تبقى من الثقة في العملية الانتخابية، باعتبارها المدخل الوحيد لإنهاء سنوات من الانقسام والفوضى. وفي هذا المشهد المعقد، تتقاطع دعوات تحييد المفوضية والحفاظ على استقلالها مع تحذيرات سياسية صريحة من أن فشل الذهاب إلى الانتخابات قد يدفع البلاد نحو سيناريوهات أكثر خطورة، تهدد وحدة الدولة ومستقبلها.
وكانت مكاتب «المفوضية الوطنية العليا للانتخابات» في مدن ومناطق في شرق ليبيا وغربها، قد دعت إلى «تحييد» إدارة المفوضية عن أي تجاذبات، والعمل على الحفاظ على وحدتها واستقرارها. جاء ذلك في بيانات لها على خلفية ولادة انقسام جديد بوجود رأسين لمفوضية الانتخابات، بعد أن انتخب المجلس الأعلى للدولة صلاح الكميشي رئيساً، في حين أبقى مجلس النواب عماد السايح في منصبه.
الأمم المتحدة تطالب بتخفيض التصعيد المتبادل
ومثلت هذه المكاتب الإدارة الانتخابية في طرابلس وسبها وطبرق، بالإضافة إلى الخمس والعزيزية وسرت والمرج، علاوة على بنغازي والزاوية والجبل الغربي «2»، والنواحي الأربع وغدامس وترهونة – مسلاتة والساحل الغربي. وأكدت مكاتب بنغازي وسرت وطبرق والمرج أهمية الالتزام بالاختصاصات القانونية المحددة، واحترام الأطر التشريعية المعمول بها، وعلى رأسها دور السلطة التشريعية الممثلة في مجلس النواب، بينما عبّر مكتب طرابلس عن أمله في حل الخلافات حول مفوضية الانتخابات «حتى لا يخلق ذلك انقساماً مؤسسياً ويشتت الجهود الوطنية في وقت حساس». حسب الشرق الأوسط.
وبدأ الخلاف حول مفوضية الانتخابات، بعدما أصدر مجلس النواب قراراً في جلسته الأخيرة الشهر الماضي، بإعادة تشكيل مجلس المفوضية، وهو ما رفضه مجلس الدولة، مؤكداً أنه «يخالف» تفاهمات مدينة بوزنيقة المغربية، التي منحته اختصاص اختيار رئيس وثلاثة أعضاء بمجلس إدارة المفوضية.
ودعت بعثة الأمم المتحدة مجلسي النواب و«الدولة» لتخفيض ما وصفته بالتصعيد المتبادل حول إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات، التي واصلت في المقابل عملها الاعتيادي بإحالة مرشحين مخالفين في الانتخابات البلدية إلى النيابة العامة. وأعربت البعثة الأممية عن قلقها البالغ إزاء ارتفاع وتيرة التصعيد بين المجلسَين بشأن إعادة تشكيل مفوضية الانتخابات، بوصفها إحدى الخطوات التأسيسية في «خريطة الطريق» السياسية، مشيرة إلى استمرار العجز عن التوصل إلى اتفاق بشأن المفوضية منذ إطلاق الخريطة في أغسطس (آب) الماضي.
رفض الإجراءات الأحادية
وأبدت البعثة أسفها البالغ لعدم بناء توافق في الآراء حول هذه القضية المعلقة منذ أكثر من عقد، ودعت المجلسين المنخرطين في دوامة من التصعيد المتبادل، مخاطرين بذلك بفتح فصل جديد من الخلاف والانقسام المؤسسي، لوقف جميع الإجراءات الأحادية، وحملتهما مسؤولية أي انقسام قد يؤثر في عمليات المفوضية في المستقبل. وقالت إن المفوضية ظلت حتى الآن واحدة من المؤسسات الوطنية القليلة، التي حافظت على وحدتها، وأثبتت قدرتها الفنية وكفاءتها في إجراء الانتخابات.
كما حثت البعثة المفوضية على «التزام الحياد صوناً لنزاهتها»، وجددت التأكيد على استعدادها لدعم المجلسين في التوصل إلى حل توافقي لهذا الخلاف، موضحة أنها ستواصل العمل مع مجلس المفوضية الحالي للمضي قدماً في إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، على أساس إطار انتخابي سليم وقابل للتنفيذ.
في نفس السياق، قالت البعثة إن اجتماع نائبة رئيستها للشؤون السياسية، ستيفاني خوري، مع نائبة رئيس البعثة الهولندية، هيلين بارتمانز، أكد أهمية الحفاظ على وحدة واستقلال القضاء والمفوضية العليا للانتخابات، مشيرة إلى استعراض خوري آخر مستجدات الحوار المُهيكل وجلساته المقبلة، كما شكرت هولندا على دعمها المتواصل جهود البعثة، الرامية إلى دفع العملية السياسية الليبية قدماً وبقيادة ليبية.
وبحسب مراقبين، لا يعني موقف البعثة الأممية رفضاً مطلقاً لتغيير مجلس إدارة مفوضية الانتخابات، بل يركز على رفض الإجراءات الأحادية، والتصعيد المتبادل بين مجلسَي النواب والدولة، الذي قد يؤدي إلى انقسام مؤسسي.
مبادرة عقيلة صالح
في المقابل، طرح رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، في تصريحات تلفزيونية، مبادرة لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، عبر تشكيل لجنة من رئيس المجلس الأعلى للقضاء، ورئيس المفوضية، ووكيلي الداخلية من الشرق والغرب، وعضوين عن لجنة 5+5 العسكرية من الشرق والغرب، ومحافظ المصرف المركزي، للإشراف على العملية، بعيداً عن الحكومتين المتنازعتين على السلطة حالياً. وقال بهذا الخصوص: «دون ذلك، أعلنها الآن لليبيين، لن تجري الانتخابات»، محذراً من أنه «إذا لم تُجرَ الانتخابات خلال 6 أشهر فإن البلاد تتجه نحو التقسيم».
وحذر المستشار عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، من أن البلاد تقف أمام فرصتها الأخيرة لتجنب الانزلاق إلى مرحلة أكثر خطورة من الانقسام والركود. وأكد أن السبيل الوحيد لإنهاء سنوات من الفوضى والتشتت يكمن في الإسراع بإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، معتبراً أن أي تعطيل لهذا المسار لن ينتج سوى مزيد من التدهور. حسب ليبيا 24.
جاء ذلك خلال لقاء خاص أجراه مع تلفزيون “المسار”، استعرض فيه الملفات السياسية والأمنية والقضائية الشائكة التي تعصف بالبلاد، من حادثة سقوط طائرة رئيس الأركان إلى الخلافات الدستورية وصراع السلطات، مروراً بالملف الاقتصادي المتردي.
ملف ترسيم الحدود البحرية
تطرق صالح في بداية حديثه إلى حادثة سقوط الطائرة التي كانت تقل الفريق الركن محمد الحداد، رئيس أركان حكومة الوحدة الوطنية، مؤكداً أن التحقيقات الجنائية لا تزال جارية تحت إشراف النائب العام. وأوضح أن “الحقيقة بنت التحقيق”، مشدداً على ضرورة الانتظار حتى اكتمال الإجراءات الرسمية وعدم الاستباق باتهامات غير مدعومة بأدلة.
وأبدى رئيس مجلس النواب تحفظاته بشأن تسليم الصندوقين الأسودين للطائرة إلى بريطانيا، معرباً عن استغرابه من رفض فرنسا، باعتبارها الدولة المصنعة، تولي عملية فحصهما، وكذلك اعتذار ألمانيا عن هذه المهمة. ووصف هذه التطورات بأنها “تثير تساؤلات مشروعة”، لكنه عاد ليفصل بين هذه التساؤلات وبين اتهام جهات بعينها قبل ظهور النتائج النهائية.
وفي معرض رده على أسئلة تتعلق بزيارته الأخيرة إلى اليونان والعلاقات الإقليمية، شدد صالح على أن تحركات مجلس النواب الخارجية تنطلق من مبدأ الدفاع عن المصالح السيادية الليبية وحدها، دون انحياز لأي محور إقليمي. وأكد أن المجلس “لن ينحاز إلى أي محور من المحاور”، وأن كل خطواته تهدف إلى خدمة القضايا الليبية، وعلى رأسها ملف ترسيم الحدود البحرية.
وأوضح أن أي اتفاقيات دولية، بما في ذلك اتفاقية التعاون مع تركيا، لا يمكن اعتمادها أو تعديلها إلا عبر حكومة تحظى بثقة مجلس النواب، وبطريقة تضمن حماية الحقوق البحرية الليبية الكاملة وعدم التفريط في أي جزء من الإقليم الليبي. وكشف عن تشكيل لجنة من الخبراء لدراسة وتحديد المياه الإقليمية الليبية بدقة، تمهيداً لأي حوار أو اتفاق مع الدول المتشاطئة.
هل إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية ينهي حالة الانقسام؟
وانتقل رئيس مجلس النواب إلى المشهد السياسي الداخلي المتعثر، حيث وجه انتقادات حادة إلى رئاسة مجلس الدولة الحالية، واتهمها بـ “تعطيل المسار السياسي”. وأرجع ذلك إلى ما وصفه بالارتباط الوثيق لمجلس الدولة بحكومة الوحدة الوطنية المنتهية الولاية، مما يعرقل، برأيه، جهود التوافق والوصول إلى انتخابات.
وأكد صالح أن مجلس النواب منفتح على الحوار مع الأعضاء الراغبين في إيجاد حل، لكنه يرفض ما وصفه بـ “المماطلة السياسية” التي تهدف إلى إطالة أمد الأزمة. وجدد تمسكه بإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية باعتبارها “الحل الوحيد” لإنهاء حالة الانقسام، مشيراً إلى أن القوانين الانتخابية التي أعدتها لجنة (6+6) “سليمة ومعترف بها دولياً”.
واختتم المستشار عقيلة صالح حديثه بتحذير مصيري، مؤكداً أن “نافذة إنقاذ ليبيا باتت ضيقة”، وأن البلاد تقف أمام فرصتها الأخيرة للخروج من النفق عبر صندوق الانتخابات وحده. وحذر من أن أي تعطيل أو إطالة للمسار الانتخابي لن ينتج سوى مزيد من الانقسام والركود الاقتصادي والإفلاس.






