في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ ما يقرب من عامين، تتفاقم الأزمات الإنسانية التي يعيشها سكان القطاع، ولا سيما في ظل ازدياد مأساة الجوع والعطش يوماً بعد يوم. فقد أعلنت وزارة الصحة في غزة، اليوم الأربعاء، عن ارتفاع حصيلة وفيات المجاعة وسوء التغذية إلى 193 حالة، من بينهم 96 طفلاً، ما يعكس حجم الكارثة التي باتت تهدد حياة مئات الآلاف.
انتشار واسع للأمراض
ولا تقتصر الكارثة على نقص الغذاء فقط، بل إن أزمة المياه النظيفة في القطاع تتفاقم بوتيرة سريعة، وسط دمار شامل للبنية التحتية وانقطاع الإمدادات الأساسية. ويضطر السكان إلى السير لمسافات طويلة عبر مناطق مدمرة وخطرة من أجل جلب كميات محدودة من المياه، بالكاد تكفي للشرب أو النظافة، وذلك في مشهد يتكرر يومياً في أرجاء القطاع، حيث تحولت هذه المهمة إلى عبء يومي مرهق، غالباً ما يتحمله الأطفال والنساء.
رغم أن بعض المنظمات الإنسانية توفر وحدات صغيرة لتحلية المياه، فإنها لا تكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية لأكثر من مليوني نسمة يعيشون في ظروف شديدة القسوة. والمياه التي يتم استخراجها من الآبار المحلية تكون غالباً ملوثة بمياه الصرف الصحي والمواد الكيميائية، وهو ما أدى إلى انتشار واسع لأمراض يمكن الوقاية منها مثل الإسهال والالتهاب الكبدي. وتقول منظمة أوكسفام إن الأمراض المرتبطة بالمياه ارتفعت بنحو 150 في المائة خلال الأشهر الثلاثة الماضية، في وقت يستهلك فيه الفرد في غزة ما بين ثلاثة إلى خمسة لترات يومياً فقط، وهو ما يقل كثيراً عن الحد الأدنى الموصى به في حالات الطوارئ (15 لتراً يومياً).
فجوة هائلة في الحقوق الأساسية
وفي المقابل، يبلغ متوسط استهلاك الفرد في إسرائيل حوالي 247 لتراً يومياً، ما يعكس فجوة هائلة في الحقوق الأساسية بين الطرفين. ويفاقم الوضع توقف الضخ من خطوط المياه الإسرائيلية، والتي كانت تغذي غزة بمياه نظيفة. ورغم أن إسرائيل أعادت تشغيل بعض الخطوط في فترات سابقة، فإن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، إلى جانب انقطاع الكهرباء والوقود، جعلت تشغيل المضخات أمراً شبه مستحيل.
من ناحية أخرى، يتجسد المشهد الإنساني القاسي في شهادات السكان أنفسهم. الشاب معاذ مخيمر، الذي اضطر إلى ترك دراسته الجامعية، أصبح اليوم يقضي ساعات يومياً في طوابير لجلب المياه لعائلته الكبيرة التي تضم 22 فرداً. وفي غياب أي حلول فاعلة، يعتمد كثير من السكان على الاستحمام في مياه البحر، رغم ما تحمله من مخاطر صحية.
المنظمات الدولية، وعلى رأسها اليونيسف وأوكسفام، أطلقت تحذيرات واضحة من أن الجوع والعطش لم يعودا مجرد نتائج ثانوية للحرب، بل باتا جزءاً مباشراً من أدواتها. ويؤكد مسؤولو الإغاثة أن وقف إطلاق النار الفوري والسماح الكامل وغير المشروط بوصول المساعدات الإنسانية أصبحا شرطين ضروريين لتجنب المزيد من الوفيات، التي يمكن منعها بتوفير مقومات الحياة الأساسية فقط.
انهيار ممنهج للبنية المجتمعية
وسط هذه الصورة القاتمة، يجري العمل حالياً على إنشاء خط مياه جديد بتمويل إماراتي من محطة تحلية مصرية، من المتوقع أن يخدم نحو 600 ألف شخص في جنوب غزة، لكنه لا يزال بحاجة إلى عدة أسابيع ليبدأ عمله. وحتى حينها، يبقى ملايين الغزيين عالقين في واقع يومي مرير، بين شبح الموت جوعاً أو عطشاً، أو الإصابة بأمراض كان يمكن تفاديها في ظروف طبيعية.
إن ما يجري في غزة اليوم لا يندرج ضمن الكوارث الطبيعية أو الأزمات المفاجئة، بل هو انهيار ممنهج للبنية المجتمعية والإنسانية، تقوده حرب طويلة الأمد، ووسط صمت دولي غير مبرر. فما يحدث ليس مجرد أزمة إنسانية، بل نذير كارثة تاريخية ستبقى شاهدة على الفشل الأخلاقي العالمي في حماية أبسط حقوق الإنسان: الحق في الحياة.






