في الوقت الذي تتصاعد فيه الدعوات الدولية لوقف الحرب في قطاع غزة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين، يكشف تحقيق استقصائي عن جانب آخر من المشهد يتمثل في استمرار تدفق الأسلحة والمعدات العسكرية إلى إسرائيل من عشرات الدول حول العالم.
وتسلط نتائج التحقيق الضوء على فجوة واضحة بين المواقف السياسية المعلنة لبعض الدول وبين واقع الإمدادات العسكرية التي واصلت الوصول إلى إسرائيل، حتى بعد صدور قرارات وتحذيرات دولية تتعلق بالمخاطر الإنسانية والقانونية للحرب.
51 دولة زودت إسرائيل بالسلاح
ويطرح هذا الواقع تساؤلات جوهرية حول فعالية الضغوط الدولية، وحدود التزام الدول المصدرة للسلاح بمسؤولياتها القانونية والأخلاقية، في ظل اتهامات متزايدة بأن استمرار تدفق الأسلحة يسهم في إطالة أمد الصراع وتعميق الكارثة الإنسانية التي يعيشها سكان قطاع غزة.
التحقيق الذي أجرته شبكة الجزيرة الإعلامية، كشف عن أن ما لا يقل عن 51 دولة وإقليماً ذاتياً واصلت تزويد إسرائيل بمعدات وإمدادات عسكرية خلال الحرب على قطاع غزة، رغم قرار محكمة العدل الدولية الصادر في يناير/كانون الثاني 2024، والذي خلص إلى وجود خطر معقول بوقوع إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في القطاع.
واعتمد التحقيق على تحليل أكثر من 6.5 ملايين سجل استيراد مستمدة من بيانات هيئة الضرائب الإسرائيلية وسجلات جمركية ووثائق رسمية تغطي الفترة الممتدة بين عامي 2022 و2025، ما أتاح تتبع حركة الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية التي وصلت إلى إسرائيل خلال الحرب.
الولايات المتحدة أكثر داعم لإسرائيل
ووفق نتائج التحقيق، بلغت قيمة الواردات العسكرية المرتبطة بالحرب على غزة نحو 3.22 مليارات شيقل، أي ما يعادل نحو 886 مليون دولار أمريكي، فيما أظهرت البيانات أن 91 بالمئة من هذه الواردات دخلت إلى إسرائيل بعد صدور قرار محكمة العدل الدولية في 26 يناير/كانون الثاني 2024، والذي دعا إلى اتخاذ إجراءات لمنع وقوع أعمال يمكن أن تندرج ضمن جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة.
وكشفت البيانات عن دخول 2603 شحنات عسكرية إلى إسرائيل خلال الفترة الممتدة بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأكتوبر/تشرين الأول 2025، تضمنت ذخائر ومتفجرات وقطع أسلحة ومكونات لمركبات عسكرية ومدرعات ومعدات تستخدم في العمليات القتالية.
وأظهر التحقيق أن الولايات المتحدة جاءت في صدارة الدول المصدّرة للمعدات والبضائع العسكرية المرتبطة بالحرب إلى إسرائيل، تلتها الهند، ثم رومانيا، وتايوان، والتشيك، باعتبارها أكبر خمس جهات موردة للمعدات العسكرية التي شملها التحقيق.
ولم تقتصر النتائج على رصد حجم الإمدادات العسكرية خلال الحرب، بل أظهرت أيضاً ارتفاعاً ملحوظاً في قيمة الواردات مقارنة بالفترة السابقة لها. فبحسب البيانات التي حللها فريق التحقيق، بلغت قيمة الواردات العسكرية الإسرائيلية خلال العشرين شهراً التي سبقت اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023 نحو 1.41 مليار شيقل، قبل أن ترتفع خلال فترة الحرب إلى 3.22 مليارات شيقل، وهو ما يعكس زيادة كبيرة في الاعتماد على الإمدادات العسكرية الأجنبية خلال العمليات العسكرية في قطاع غزة.
استمرار تدفق الأسلحة بعد وقف إطلاق النار
وأشار التحقيق إلى أن تدفق الأسلحة والمعدات العسكرية لم يتوقف عند حدود فترة العمليات العسكرية المكثفة، بل استمر حتى بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025، إذ سجلت إسرائيل خلال الشهرين الأخيرين من ذلك العام واردات عسكرية إضافية بلغت قيمتها نحو 324.9 مليون شيقل، أي ما يعادل 89.4 مليون دولار.
وكشف التحقيق عن مفارقة لافتة تمثلت في استمرار وصول معدات عسكرية إلى إسرائيل من دول أعلنت في مراحل مختلفة فرض قيود أو تعليق بعض صادراتها العسكرية إليها على خلفية الحرب. وأظهرت سجلات الاستيراد الإسرائيلية دخول بضائع ومعدات عسكرية منشؤها دول من بينها بريطانيا وكندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، حتى بعد إعلان بعض هذه الدول مراجعة أو تقييد صادراتها العسكرية.
كما توصل التحقيق إلى أن بعض أكبر شحنات السلاح وصلت خلال فترات الهدوء النسبي والهدن المؤقتة، إذ رصد دخول أكبر شحنة عسكرية منفردة خلال الحرب عبر ميناء حيفا في فبراير/شباط 2025، وبلغت قيمتها نحو 605 ملايين شيقل، وصُنفت ضمن فئة أجزاء الدبابات والمركبات المدرعة.
وأشار التحقيق إلى أن فترة الهدنة التي امتدت بين 19 يناير/كانون الثاني و18 مارس/آذار 2025 شهدت وصول عدد من أكبر الشحنات العسكرية، ما دفع خبراء إلى الاعتقاد بأن تلك الفترة استُخدمت لإعادة تزويد المخازن العسكرية الإسرائيلية وتعويض النقص الذي نتج عن العمليات القتالية المستمرة.
انتهاك القانون الدولي
وبحسب البيانات، شكلت الذخائر النسبة الأكبر من الواردات العسكرية التي دخلت إلى إسرائيل خلال الحرب، كما أظهرت السجلات أن استيراد الذخائر شهد زيادة بعد قرار محكمة العدل الدولية بدلاً من أن يتراجع، الأمر الذي أثار تساؤلات إضافية حول مدى تأثير الضغوط القانونية والدبلوماسية الدولية على حركة تجارة السلاح المرتبطة بالحرب.
ونقل التحقيق عن خبراء في القانون الدولي تأكيدهم أن استمرار تدفق الأسلحة والمعدات العسكرية إلى إسرائيل بعد قرار محكمة العدل الدولية يثير إشكاليات قانونية تتعلق بالتزامات الدول الموقعة على اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.
وأوضح الخبراء أن قرار المحكمة، الصادر ضمن القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، وضع الدول أمام مسؤوليات قانونية تتعلق بواجب منع الإبادة الجماعية وعدم المساهمة في أعمال قد ترتبط بارتكابها، ما جعل استمرار صادرات السلاح إلى إسرائيل موضع جدل قانوني وحقوقي متصاعد على المستوى الدولي.
في المقابل، أشار التحقيق إلى أن عدداً من الدول الموردة للأسلحة والمعدات العسكرية أكدت أن صادراتها تتم وفق القوانين الوطنية المعمول بها والالتزامات الدولية الخاصة بها، وأن منح تراخيص التصدير يخضع لإجراءات قانونية ورقابية داخلية.
شبكة الإمدادات العسكرية الدولية
ويأتي نشر نتائج التحقيق في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية المطالبة بفرض قيود أشد على صادرات الأسلحة إلى إسرائيل، وسط استمرار تداعيات الحرب على قطاع غزة، وتصاعد التحذيرات الصادرة عن منظمات حقوقية وأممية بشأن الأوضاع الإنسانية الكارثية التي يعيشها السكان المدنيون.
ويرسم التحقيق صورة واسعة لشبكة الإمدادات العسكرية الدولية التي واصلت تزويد إسرائيل بالأسلحة والذخائر والمعدات القتالية خلال الحرب، ويكشف أن تدفق هذه الإمدادات استمر ليس فقط بعد قرار محكمة العدل الدولية، بل كذلك خلال فترات الهدنة وحتى بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، في وقت يتواصل فيه الجدل القانوني والسياسي بشأن مسؤولية الدول المصدرة للسلاح في ظل الاتهامات الموجهة لإسرائيل بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني في قطاع غزة.




