منذ عقود، ارتبطت مائدة السحور في مصر والعالم العربي بطبق “الفول المدمس” كبطل لا ينافس، بفضل قدرته العجيبة على منح الصائم شعوراً بالشبع يمتد لساعات طويلة. ولكن مع حلول رمضان 2026، وفي ظل التغيرات المناخية والوعي الصحي المتزايد، تخرج التحذيرات الطبية لتكشف أن هذا “الصديق الوفي” قد يتحول إلى “عدو لدود” للجهاز الهضمي إذا لم يحسن الصائم التعامل معه، وتشير الدراسات إلى أن الإفراط في تناول البقوليات قد ينتهي بصاحبه في غرف الطوارئ بدلاً من الاستمتاع بأجواء الشهر الفضيل.
تكمن المشكلة الحقيقية في شائعة متوارثة مفادها أن “كلما زادت كمية الفول، زادت مدة الشبع”، وهو اعتقاد طبي خاطئ تماماً؛ فالإفراط في تناول الألياف الموجودة في الفول دفعة واحدة، خاصة لمن لم يعتد جهازهم الهضمي عليها، يؤدي إلى نتائج عكسية تبدأ بانتفاخات وغازات حادة، وقد تصل إلى نوبات قيء وإسهال شديدين. هذا الاضطراب المعوي ليس مجرد إزعاج عابر، بل هو المسبب الأول لـ “الجفاف” خلال ساعات الصيام، حيث يفقد الجسم سوائله الحيوية في وقت يحتاج فيه لكل قطرة ماء لمواجهة نهار رمضان.

والخطر لا يتوقف عند الكمية فحسب، بل يمتد إلى “المصدر وطريقة التحضير”؛ فالفول الذي يباع في الشوارع، رغم جاذبيته الشعبية، يظل مجهول المصدر فيما يخص جودة المياه ونظافة الأوعية، مما يجعله بيئة خصية للتسمم الغذائي، خاصة للأطفال وكبار السن. أما “الفول المعلب”، وهو الخيار الأسهل للكثيرين، فقد يحمل في طياته “قنابل موقوتة” من الصوديوم والمواد الحافظة التي ترفع ضغط الدم وتزيد من حدة العطش بشكل يفوق طاقة الصائم على التحمل، ناهيك عن مخاطر العبوات التالفة التي قد تسبب حالات تسمم حادة.
ولكي يظل الفول “مسمار البطن” الآمن، ينصح الأطباء بضرورة العودة إلى الأصول في التحضير المنزلي، بدءاً من نقع البقوليات لمدة لا تقل عن 12 ساعة مع تغيير الماء باستمرار للتخلص من الغازات، وصولاً إلى الاعتدال في إضافة الزيوت التي تسبب الخمول والكسل. القاعدة الذهبية في سحور 2026 هي “التوازن”؛ فطبق صغير من الفول المعد منزلياً، بجانبه قطعة جبن أو بيضة مسلوقة، مع شرب الماء على فترات متقطعة، يضمن لك شبعاً حقيقياً وصحة مستدامة طوال ساعات الصيام، بعيداً عن كوابيس الانتفاخ أو مخاطر الجفاف والتسمم.
إن الوعي بطريقة تناول طعامنا لا يقل أهمية عن نوع الطعام نفسه، وطبق الفول سيظل سيد السحور ما دمنا نحترم قدرة أجهزتنا الهضمية ولا نثقل كاهلها بما لا تطيق، لنحول السحور إلى وقود للصحة وليس سبباً في المرض.






