يعد قابلاً للاستمرار. ويشير إلى أن النقاش العام تجاوز مسألة تقييم أداء الرئيس قيس سعيّد إلى طرح موضوع رحيله كخيار مطروح لتجاوز الأزمة، وهو طرح لم يعد مقتصرًا على معارضيه، بل توسّع ليشمل أطرافًا أخرى داخل البلاد وخارجها.
ويعتبر كريشيان أن التحول نحو المطالبة برحيل الرئيس جاء نتيجة عاملين رئيسيين: أولاً، القناعة المتزايدة بأن سعيّد لن يتراجع عن أسلوبه المنفرد في إدارة الدولة منذ يوليو 2021؛ وثانيًا، ما يُثار حول وضعه الصحي؛ وثالثًا، التخوّف من انزلاق البلاد إلى فوضى سياسية أو أمنية.
ومع توسّع هذه المخاوف، عاد الحديث حول شغور منصب رئاسة الجمهورية، وهو موضوع كان يُتجنب الخوض فيه علنًا. ويستشهد كريشيان بتصريحات أساتذة في القانون الدستوري، على غرار أمين محفوظ، الذين اعتبروا أنه في حال حصول الشغور يمكن لرئيسة الحكومة تولّي السلطة مؤقتًا إلى حين تنظيم انتخابات مبكرة. في المقابل، تحدث صحافيون آخرون، مثل زياد الهاني، عن ضرورة تدخّل الجيش لمنع الفراغ، مع التأكيد على حساسية هذا الخيار.
ويلفت كريشيان إلى أن دستور 2022، الذي صاغه سعيّد، ينص على أن رئيس المحكمة الدستورية هو من يتولى الحكم في حالة الشغور، إلا أن هذه المؤسسة لم تُشكل حتى الآن رغم الوعود المتكررة بذلك، وهو ما خلق ثغرة دستورية واضحة.
ويضيف الكاتب أن النقاش حول الشغور لا يرتبط فقط بطبيعة الحكم، بل أيضًا بما يُثار حول الوضع الصحي للرئيس، وسط غياب تام لأي توضيحات رسمية. وقد ظهرت المطالبة بالرحيل في احتجاجات عدة، على خلفية رفض الرئيس أي مراجعة لسياساته واعتباره خصومه “خونة” أو “عملاء”.
ويشير كريشيان إلى أن الاتحاد العام التونسي للشغل صعّد من موقفه بإقرار إضراب عام يوم 21 يناير/كانون الثاني، في خطوة اعتبرها تطورًا سياسيًا مهمًا. وجاء قرار الإضراب احتجاجًا على ما وصفه الاتحاد في بيانه الأخير بـ“تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وتكريس منظومة حكم منغلقة، وغياب الحوار”.
ويذكّر الكاتب بأن الإضرابات العامة في تونس غالبًا ما كانت مؤشرًا على تغيرات كبرى، كما حدث في 1978 و2011. غير أن الوضع الحالي يختلف، وفق كريشيان، لأن الرئيس سعيّد يفتقر إلى السند السياسي والشعبي، ويعاني عزلة متزايدة حتى من بعض المؤيدين السابقين له، إضافة إلى انتقادات تتعلق بمحيطه العائلي.
وتتزامن هذه العزلة الداخلية، وفق المقال، مع عزلة خارجية واضحة تتمثل في بيانات انتقاد دولية بشأن المحاكمات السياسية وتراجع استقلال القضاء وانتهاكات الحريات. ويرى كريشيان أن الرئيس يواجه هذه الانتقادات بمزيد من التشدد، في سياق خطاب غير مألوف سبق أن عبّر عنه في تصريحات علنية.
رئيس فاقد للبوصلة
يرى الصحفي مروان عاشوري أن حالة السخط الشعبي في تونس تتصاعد بشكل ملحوظ، ما يدفع رئيس الجمهورية إلى البحث عن جهات يحمّلها مسؤولية الوضع المتدهور. ويشير إلى أن هذا النهج بات مألوفًا في الخطاب الرسمي، خصوصًا في ظل اتساع دائرة الاحتجاجات المتعلقة بحقوق الإنسان وارتفاع عدد السجناء السياسيين.
ويوضح عاشوري أن التونسيين يواجهون يوميًا ضغوطًا متعددة مرتبطة بتدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، بما في ذلك ارتفاع تكاليف المعيشة، البطالة، ضعف الاستثمارات، مشكلات التعليم، تفاقم العنف، واستمرار موجات الهجرة. ورغم تعهد الحكومة ببناء “دولة الرفاه”، إلا أنها لم تقدم حلولًا عملية لهذه التحديات، ما زاد من الإحباط الشعبي.
ويضيف الكاتب أن النقاشات الأخيرة حول مشروع قانون المالية داخل البرلمان لم تعزز ثقة المواطنين في أداء السلطة، وهو ما قد يدفع رئيس الجمهورية إلى مسافة أبعد عن حكومته، رغم أنها حكومة عيّنها بنفسه. ويرجّح عاشوري أن سعيّد يحاول إظهار نفسه في موقع المراقب الذي ينتقد أداء المسؤولين المنتخبين، باعتبارهم صوت الشعب، من أجل تخفيف الضغط السياسي عنه.
وفي سياق متصل، يشير الكاتب إلى أن الرئيس صعّد في الفترة الأخيرة من لهجته، مركزًا هجومه على موظفي الدولة، خصوصًا المتهمين بالفساد. ورغم أن هذه التصريحات ليست جديدة، إلا أن عاشوري يلاحظ أنها بدت هذه المرة أكثر تحديدًا، بعد أن أضاف الرئيس بُعدًا زمنيًا حين قال إن “التغيير سيأتي قريبًا”، ما أعطى تهديداته طابعًا أكثر مباشرة.
ويرى عاشوري أن المشهد يتجه نحو نتيجتين واضحتين: الأولى أن إجراءات سياسية أو إدارية حادة قد تُتخذ في الفترة المقبلة؛ والثانية أن هذا التصعيد يعكس محاولة للرئيس للبقاء في واجهة المشهد رغم الأزمات المتراكمة.
الوضع السياسي والاقتصادي في تونس
تعيش تونس اليوم وضعًا سياسيًا واقتصاديًا شديد التعقيد. فمنذ قرارات 25 يوليو 2021، أصبح الرئيس قيس سعيّد يحتكر السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية عبر منظومة مراسيم استثنائية، مع غياب فعلي للمؤسسات الوسيطة والأحزاب. وقد أدى هذا التمركز في السلطة إلى مخاوف واسعة من عودة البلاد إلى نظام استبدادي شبيه بما كان قائمًا قبل 2011.
اقتصاديًا، تواجه تونس ارتفاعًا كبيرًا في التضخم، وتراجعًا في القوة الشرائية، وصعوبات مالية حادة أثرت على تزويد الأسواق بالمواد الأساسية، إلى جانب تراجع الاستثمار وتدهور توازنات المالية العمومية. وتعتبر منظمات حقوقية وسياسية أن هذا الوضع ناجم عن غياب رؤية اقتصادية واضحة، وتزايد التوتر السياسي، وتراجع الثقة في المؤسسات.
وبحسب محللين، فإن البلاد دخلت فعليًا مرحلة أزمة شاملة تتقاطع فيها الضغوط الاقتصادية والاجتماعية مع الاستقطاب السياسي الحاد، في سياق انفراد الرئيس بالقرار وتشابه ملامح المرحلة مع سنوات حكم زين العابدين بن علي، من حيث تراجع الحريات وتضييق المجال العام وإضعاف مؤسسات الدولة.






