في تحرك دبلوماسي يعكس ثوابت السياسة الخارجية المصرية تجاه أزمات المنطقة، جددت مصر تأكيدها دعم أمن واستقرار دول الخليج العربي، مع التشديد على ضرورة احتواء التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط عبر المسارات السياسية والدبلوماسية، وذلك خلال مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في اجتماع وزراء خارجية دول «بريكس» بالعاصمة الهندية نيودلهي.
وجاءت الرسائل المصرية في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، وسط تصاعد المخاوف من اتساع نطاق المواجهات والتوترات المرتبطة بالأزمة الإيرانية، وما قد يترتب عليها من تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية تتجاوز حدود المنطقة إلى النظام الدولي بأكمله.
رسائل مصرية واضحة: لا مساس بأمن الخليج
وخلال الاجتماع، شددت مصر على موقفها الثابت بشأن دعمها الكامل لأمن واستقرار الدول الخليجية الشقيقة، مؤكدة رفضها لأي اعتداءات تستهدف سيادة تلك الدول أو تهدد أمنها الداخلي واستقرارها.
وتعكس هذه التصريحات امتداداً لموقف مصري متكرر خلال السنوات الأخيرة يقوم على اعتبار أمن الخليج جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، وهي رسالة حملتها القاهرة في مناسبات إقليمية ودولية متعددة، خاصة مع تصاعد التوترات العسكرية والسياسية في المنطقة.
ويرى مراقبون أن تشديد القاهرة على هذه الرسالة في هذا التوقيت يحمل دلالات سياسية مهمة، في ظل تزايد المخاوف من انزلاق المنطقة نحو موجات جديدة من التصعيد قد تؤثر على توازنات الشرق الأوسط بالكامل.
تحذيرات من تداعيات «الحرب الإيرانية»
وخلال كلمته، تناول عبد العاطي التطورات الإقليمية وتأثيراتها على الاقتصاد الدولي، مؤكداً أن الأوضاع المتسارعة في الشرق الأوسط تفرض تحديات متشابكة أمام المجتمع الدولي، بينما تتحمل الدول النامية النصيب الأكبر من التداعيات.
وأشار الوزير المصري إلى أن تصاعد الأزمة المرتبطة بإيران لا يمثل تهديداً أمنياً فحسب، بل يمتد أثره إلى ملفات حيوية تشمل أمن الملاحة الدولية وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة والغذاء.
ويأتي هذا التحذير في ظل القلق المتزايد عالمياً من تأثير أي تصعيد عسكري على حركة التجارة الدولية، خصوصاً في الممرات البحرية الاستراتيجية، وما قد ينتج عن ذلك من اضطرابات اقتصادية واسعة النطاق.
القاهرة تتمسك بالحلول السياسية
وفي رسائل حملت طابعاً دبلوماسياً واضحاً، أكدت مصر أن الحلول السياسية والتسويات السلمية تظل الطريق الوحيد لتحقيق الاستقرار ومنع تفاقم الأزمات.
وشددت القاهرة على أنها تواصل جهودها الرامية إلى خفض التصعيد ومنع اتساع رقعة النزاعات في المنطقة، في إطار سياسة تعتمد على تغليب الحوار السياسي على الخيارات العسكرية.
وتتبنى مصر منذ اندلاع أزمات المنطقة المتعددة نهجاً يرتكز على الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، ومنع انهيارها أو دخولها في دوائر نزاعات ممتدة تهدد الأمن الإقليمي.
السيسي يكرر الموقف المصري في أكثر من مناسبة دولية
وجاءت تأكيدات وزارة الخارجية امتداداً لسلسلة من المواقف الرسمية التي أعلنها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاءات وتحركات دبلوماسية سابقة، فخلال مباحثات جمعته بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الإسكندرية، شدد السيسي على موقف بلاده الداعم لاستقرار الدول العربية وأمنها.
كما أعاد الرئيس المصري التأكيد على هذا التوجه خلال لقاء جمعه بالأمين العام لـ الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش على هامش قمة «أفريقيا – فرنسا» في نيروبي، مؤكداً رفض مصر أي تهديدات تستهدف أمن وسيادة دول الخليج.
ويرى متابعون أن تكرار هذه الرسائل في محافل مختلفة يعكس رغبة مصر في تثبيت مقاربة سياسية موحدة تجاه التطورات الإقليمية.
وعلى هامش اجتماعات «بريكس»، لم يقتصر الحضور المصري على الملفات السياسية، بل امتد إلى طرح رؤى اقتصادية وتنموية جديدة.
وكشف وزير الخارجية عن مبادرات مصرية تستهدف تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، من بينها مشروع إنشاء مركز لوجستي للحبوب في شرق بورسعيد، بهدف دعم الأمن الغذائي وتطوير الشراكات الصناعية والتجارية والاستثمارية.
وتأتي هذه المبادرة في إطار مساعي القاهرة للاستفادة من عضويتها في التكتلات الاقتصادية الدولية لتعزيز دورها كمركز إقليمي للتجارة والخدمات اللوجستية.
القضية الفلسطينية تعود إلى واجهة التحركات المصرية
واستحوذت تطورات القضية الفلسطينية على مساحة مهمة من كلمة وزير الخارجية خلال اجتماعات «بريكس»، حيث أدان الانتهاكات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وشدد على ضرورة إدخال المساعدات الإنسانية والإغاثية والطبية إلى قطاع غزة دون قيود.
وأكدت القاهرة ضرورة تهيئة الظروف المناسبة لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وصولاً إلى حل شامل وعادل للقضية الفلسطينية وفق المرجعيات الدولية.
وتواصل مصر لعب دور رئيسي في جهود الوساطة المتعلقة بالأوضاع في غزة، مستفيدة من علاقاتها الإقليمية والدولية وتحركاتها المستمرة لاحتواء الأزمات.
شراكة مصرية هندية تتوسع
وفي سياق آخر، عقد بدر عبد العاطي لقاءً مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، أكد خلاله اعتزاز القاهرة بالتطور المتسارع في العلاقات الثنائية بين البلدين.
وأشار الوزير المصري إلى أن العلاقات شهدت نقلة نوعية بعد رفعها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، إلى جانب إطلاق الحوار الاستراتيجي بين الجانبين خلال عام 2025.
وأكد الجانبان أهمية تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري خلال المرحلة المقبلة، مع تبادل الرؤى حول الملفات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
وتعكس التحركات المصرية الأخيرة محاولة للموازنة بين الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تتحرك القاهرة على أكثر من مسار؛ بدءاً من دعم الاستقرار الخليجي، مروراً بالدعوة إلى تسويات سلمية للأزمات، ووصولاً إلى توسيع الشراكات الاقتصادية الدولية.
وفي ظل استمرار حالة السيولة الإقليمية، يبدو أن القاهرة تراهن على الدبلوماسية كأداة رئيسية لاحتواء الأزمات، وتجنب سيناريوهات التصعيد التي قد تدفع المنطقة نحو مزيد من الاضطرابات وعدم الاستقرار.




