يبدو أن التطورات الأخيرة تعكس مرحلة جديدة من التصعيد في قطاع غزة، إذ أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، أن الجيش سيبدأ اليوم الأحد في تزويد سكان القطاع بخيام ومعدات إيواء عبر معبر كرم أبو سالم، وبإشراف الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية. هذه الخطوة، وإن كانت تبدو إنسانية في ظاهرها، تكشف في جوهرها عن استعدادات ميدانية لعملية عسكرية جديدة، تهدف إلى إعادة تشكيل المشهد الميداني في القطاع، خصوصاً في مدينة غزة التي تعتبر المركز الحضري الأكبر والأكثر كثافة سكانية.
الاحتلال يكرس سيطرته على القطاع
تقديم إسرائيل للخيام ومستلزمات الإيواء لا يمكن قراءته بمعزل عن نواياها المعلنة بشن هجوم واسع على مدينة غزة. فإجلاء السكان إلى الجنوب يندرج ضمن استراتيجية تفريغ المناطق المستهدفة من المدنيين، في محاولة لتقليل الضغط الدولي الناجم عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا خلال العمليات العسكرية السابقة. غير أن هذا الإجراء يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة، حيث كانت الدعوات إلى النزوح تفضي في النهاية إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية دون توفير ضمانات حقيقية لسلامة المدنيين.
الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية تجد نفسها مجدداً في موقف معقد، فهي مضطرة للتعاون في إدخال هذه المواد عبر آليات التفتيش الإسرائيلية الصارمة، وهو ما قد يضعها في دائرة الانتقادات من قبل الفلسطينيين الذين يرون أن هذه الترتيبات تساهم في تكريس الاحتلال لإدارته الفعلية للقطاع. كما أن تحويل غزة الجنوبية إلى ملاذ للنازحين يثير مخاوف من تفاقم الكارثة الإنسانية، حيث البنية التحتية المتهالكة وعدم قدرة المناطق الجنوبية على استيعاب المزيد من النازحين.
فرض واقع جديد
إعلان إسرائيل نيتها السيطرة على مدينة غزة يطرح أيضاً أبعاداً سياسية وأمنية أوسع، إذ يبدو أن تل أبيب تسعى إلى فرض واقع جديد يضعف قوة الفصائل الفلسطينية المسلحة، ويمنحها أوراق ضغط أكبر في أي مفاوضات لاحقة. غير أن مثل هذه العمليات، إذا ما نُفذت، قد تشعل جولة جديدة من المواجهات الواسعة، ليس فقط في القطاع، وإنما أيضاً في الضفة الغربية وربما على الجبهات الإقليمية الأخرى.
تكشف هذه التطورات عن تداخل البعدين العسكري والإنساني في استراتيجية إسرائيل تجاه غزة. فهي تحاول تقديم صورة شكلية بأنها تراعي أوضاع المدنيين من خلال توفير الخيام ومستلزمات الإيواء، في حين أن الهدف الحقيقي يبقى مرتبطاً بالتحضير لهجوم عسكري واسع النطاق. هذا التناقض يضع المجتمع الدولي أمام تحدٍّ صعب: كيف يمكن التعامل مع إجراءات ذات طابع “إنساني” لكنها في حقيقتها تخدم مشروعاً عسكرياً قد يقود إلى مزيد من المآسي في القطاع المحاصر.






