تطورات النقاش داخل إسرائيل حول مسألة ضم الضفة الغربية تكشف عن معضلة سياسية عميقة يواجهها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بين إرضاء شركائه المتطرفين في اليمين من جهة، والحفاظ على شبكة العلاقات التي نسجها مع عدد من الدول العربية عبر الاتفاقات الإبراهيمية من جهة أخرى. فبينما يضغط وزراء مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير باتجاه خطوات واسعة تشمل فرض السيادة على مساحات شاسعة تصل إلى 82 في المائة من الضفة الغربية، يجد نتنياهو نفسه في مواجهة تحذيرات عربية غير مسبوقة، أبرزها من الإمارات التي اعتبرت الضم خطاً أحمر يهدد بشكل مباشر مستقبل الاتفاق الإبراهيمي.
ما يلفت الانتباه هو أن نتنياهو لم يعلن موقفًا واضحًا حتى الآن، بل اختار تعليق النقاش داخل «الكابينت» مع الطلب من وزرائه الامتناع عن التصريحات العلنية. لكن هذا لا يعني توقف الجدل، إذ تتواصل النقاشات داخل أروقة الحكم، مدفوعة بما تصفه إسرائيل برد فعل غربي متزايد، خصوصاً من فرنسا التي طرحت الاعتراف بدولة فلسطينية، ما أعطى اليمين الإسرائيلي ذريعة إضافية للدفع نحو خطوات مضادة على الأرض.
تغيير معادلة الشرق الأوسط
التحذيرات الإماراتية العلنية شكّلت صدمة للمؤسسة السياسية الإسرائيلية، إذ إن أبوظبي اختارت التصريح بعد سلسلة من الرسائل السرية التي لم تجد آذاناً صاغية. هذا التحول من التحذيرات الدبلوماسية المغلقة إلى التصريحات العلنية يشي بمدى خطورة الموقف، ليس فقط على صعيد العلاقات الثنائية، بل على مستقبل المنظومة الإقليمية التي صُممت حول فكرة أن الاتفاقات الإبراهيمية يمكن أن تشكّل إطاراً لتغيير معادلة الشرق الأوسط. وفي حال مضت إسرائيل في الضم، فإنها تخاطر ليس فقط بخسارة الإمارات، بل البحرين والمغرب، وربما إعادة فتح جبهات سياسية مع مصر والأردن، وهو ما قد يعيد إسرائيل إلى عزلة شبيهة بتلك التي عاشتها قبل عقود.
من الناحية العملية، قد يحاول نتنياهو الموازنة عبر خطوات جزئية مثل ضم الأغوار والمستوطنات الكبرى، وهي مناطق يرى فيها اليمين مكاسب ملموسة، بينما قد يُسوّقها نتنياهو على أنها تنازلات محدودة لا تمسّ جوهر العلاقات مع العرب. غير أن مثل هذه الخطوات، حتى لو كانت جزئية، تحمل في طياتها مخاطر استراتيجية كبيرة، لأنها ستكرّس واقعاً ميدانياً جديداً يستحيل التراجع عنه، وستُنظر إليها عربياً ودولياً على أنها إعلان وفاة فعلي لحل الدولتين.
تصاعد الانتقادات الدولية
تاريخياً، كانت إسرائيل تستثمر في صورتها كدولة قادرة على الانفتاح على محيطها العربي مقابل تجميد بعض السياسات الأكثر إثارة للجدل. أما اليوم، فإن التحولات داخل الائتلاف الحاكم، وضغط قادة اليمين الديني والقومي، تجعل من الضم أداة داخلية لحسم توازنات سياسية أكثر منه مشروعاً استراتيجياً محسوب الكلفة. ومع ذلك، فإن ثمن هذه الأداة قد يكون غالياً، إذ يمكن أن يحوّل إنجازات نتنياهو في تطبيع العلاقات مع العرب إلى عبء تاريخي، ويجعله مسؤولاً عن تقويض ما اعتبره ذات يوم أعظم إنجازاته الدبلوماسية.
يواجه نتنياهو معادلة معقدة: إما أن يواصل سياسة المماطلة لامتصاص الضغوط اليمينية مع الحفاظ على شعرة معاوية مع الدول العربية، أو أن يختار الرضوخ لشركائه المتطرفين ويخاطر بخسارة المكاسب التي وفّرها الاتفاق الإبراهيمي. غير أن المؤشرات الراهنة، من التحذيرات العلنية إلى تصاعد الانتقادات الدولية، تجعل من أي قرار بالضم – حتى الجزئي – نقطة تحول خطيرة قد تعيد إسرائيل إلى دائرة العزلة وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوتر الإقليمي.






