لم يكن غياب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب عن الأضواء لبضعة أيام حدثاً عادياً في المشهد السياسي والإعلامي الأميركي. فما إن توارى عن عقد المؤتمرات الصحافية حتى اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بوسوم مثل “مات ترمب” و”أين ترمب”، في حملة من التكهنات التي غذتها صور مفبركة وتسجيلات مقتطعة من سياقها، قبل أن ينفيها بنفسه في مؤتمر صحافي عقده الثلاثاء.
ترمب، الذي اشتهر باستخدام ورقة الصحة ضد خصمه جو بايدن، وجد نفسه هذه المرة في موقع الدفاع، ليهاجم ما اعتبره انحيازاً إعلامياً ضده. وقال إن وسائل الإعلام لم تثر أي شكوك حين كان بايدن يختفي “لأسابيع وأشهر”، بينما يكفي غيابه يومين ليصبح مادة للشائعات عن وفاته. هذا الاتهام يعيد فتح النقاش حول ازدواجية المعايير في التغطية الإعلامية الأميركية، خصوصاً بين الرئيسين الجمهوري والديمقراطي.
بايدن وصحة على المحك
الجدل حول صحة بايدن لم يبدأ اليوم. كتاب “الخطيئة الأصلية” لمذيع شبكة “سي أن أن” جيك تابر كشف أن مساعدين للرئيس فكروا في وضعه على كرسي متحرك، وأن طبيبه الخاص حذر من أن أي تعثر جديد قد يفرض هذا الخيار بحكم سنه وصعوبة التعافي. وذهب أبعد من ذلك عندما كشف أن بايدن بدأ ينسى أسماء بعض مستشاريه المقربين، بل إنه لم يتعرف في مناسبة عامة إلى الممثل جورج كلوني.
هذه التفاصيل التي أقر بها صحافي مقرب من المعسكر الديمقراطي سلطت الضوء على ما وصفه منتقدون بأنه “حملة تستر” لإبقاء بايدن في السباق الرئاسي لعام 2024. لكن المناظرة الرئاسية مع ترمب في يونيو من ذلك العام كانت نقطة الانكشاف الكبرى؛ إذ ظهر بايدن مرتبكاً وعاجزاً عن الدفاع عن سياساته، وهو ما عجل بإعلان انسحابه من السباق في يوليو.
الإعلام بين التستر والتهويل
المفارقة أن وسائل الإعلام التي غضّت الطرف عن حالة بايدن الصحية، وفق منتقديها، لم تتعامل بالجدية نفسها مع إشاعات وفاة ترمب. بل إن بعض المؤسسات الإعلامية الكبرى تجاهلتها تماماً، بينما تناقلتها منصات أخرى ومواقع معروفة مثل “ذا هيل” و”نيويورك بوست”. هذه الانتقائية في المعالجة أثارت تساؤلات حول التوازن في التغطية، وأعادت النقاش حول مصداقية الصحافة الأميركية في التعامل مع زعماء الحزبين.
من جهته، رأى الناشط الجمهوري بيت سيت أن وسائل الإعلام كانت تتعمد التهوين من تراجع صحة بايدن، بينما تضخمت إشاعات وفاة ترمب بلا أساس. وقال: “بايدن كان يمر بأيام جيدة وأخرى سيئة، لكن لم يكن أحد يجرؤ على إثارة الموضوع، فيما يكفي غياب ترمب يومين لتتصدر الشائعات المنصات”.
بين المرض والصورة العامة
جزء من تغذية هذه الشائعات جاء أيضاً من معطيات صحية واقعية. فالبيت الأبيض أعلن في يوليو أن ترمب يعاني قصوراً وريدياً مزمناً، وهي حالة شائعة بين من تجاوزوا السبعين. كما ظهرت صور لكدمات في يده وساقيه، فسرت على أنها علامات مرض خطير، قبل أن يوضح طبيبه أنها مجرد آثار جانبية لاستخدام الأسبيرين والجهد البدني.
لكن قوة الصورة لعبت دورها، إذ راجت مقاطع لعلم أميركي منكس في البيت الأبيض قُدمت كدليل على وفاة ترمب، ليتضح لاحقاً أنه تكريم لضحايا حادث إطلاق نار في مينيابوليس. كما انتشرت صور سيارات إسعاف في محيط البيت الأبيض تبيّن أنها قديمة تعود لعام 2023، وتداولت خرائط مزعومة لإغلاق طرقات قرب “مركز والتر ريد الطبي” من دون أي أساس واقعي.
أزمة الثقة في الإعلام
ما جرى يطرح إشكالية أوسع من مجرد صحة ترمب أو بايدن؛ إنها مسألة الثقة في الإعلام الأميركي. فحين يتعامل مع رئيس ديمقراطي بتكتم، بينما يترك المجال مفتوحاً لتضخيم الشائعات عن رئيس جمهوري، يصبح الحديث عن “ازدواجية المعايير” أكثر من مجرد شعار سياسي يردده ترمب وأنصاره.
في النهاية، يظهر أن الرئيس الجمهوري السابق ضحية لصورته الإعلامية المفرطة؛ فهو رجل يعيش على الأضواء، وحين يغيب عنها لفترة وجيزة، يتسابق خصومه ومناوئوه لملء الفراغ بتكهنات وشائعات. ومع أن ترمب حاول إخمادها بتأكيده: “لم أكن يوماً أفضل حالاً مما أنا عليه اليوم”، إلا أن استمرار تداولها يوضح أن المعركة الأعمق ليست حول صحته، بل حول من يملك رواية الحقيقة في زمن التضليل الإعلامي.






