في محاولة جديدة لكسر الجمود السياسي ووقف النزيف الإنساني المستمر في السودان، شهدت العاصمة الكينية نيروبي اجتماعات مكثفة للقوى السودانية الرافضة للحرب، لمناقشة ورقة سياسية تحمل ملامح خارطة طريق لإنهاء الصراع المستمر، وذلك ضمن إطار “إعلان المبادئ لبناء وطن جديد”.
وتأتي هذه التحركات في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من اتساع الكارثة الإنسانية، خاصة مع تنامي مخاطر المجاعة والأوبئة في مناطق عدة، ما يمنح هذه الاجتماعات أهمية استثنائية في لحظة تبدو الأكثر حساسية منذ اندلاع الحرب.
الاجتماعات التي دخلت مراحلها الأخيرة ناقشت رؤية شاملة تحمل عنوان “وقف إطلاق النار المؤقت وترتيبات إنهاء الحرب”، قدمها نائب رئيس حركة جيش تحرير السودان، عبد الله حران، لتكون بمثابة مقترح سياسي وأمني متكامل يهدف إلى الانتقال من مرحلة المواجهة العسكرية إلى مسار سياسي أكثر استقرارًا.
خطوة أولى لبناء الثقة
أبرز ما حملته الورقة السياسية يتمثل في اقتراح وقف إطلاق نار مؤقت يمتد لثلاثة أشهر، مع إمكانية التمديد وفقًا للتطورات على الأرض. وتستند الفكرة إلى فرض رقابة متعددة المستويات تشمل جهات محلية وإقليمية ودولية، في محاولة لضمان الالتزام ببنود الاتفاق ومنع انهياره مبكرًا.
ويرى مراقبون أن هذا المقترح لا يقتصر على وقف العمليات العسكرية فحسب، بل يسعى أيضًا إلى خلق مناخ يسمح ببناء الثقة بين الأطراف المتصارعة، بما يشمل الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى جانب الفصائل المسلحة الأخرى، تمهيدًا للدخول في ترتيبات سياسية وأمنية أكثر تعقيدًا.
لجان مشتركة لمراقبة التنفيذ
ضمن بنود الورقة المطروحة، جرى اقتراح إنشاء “اللجنة العسكرية المشتركة لوقف إطلاق النار”، وهي هيئة ستكون مسؤولة عن متابعة تنفيذ الاتفاق على الأرض، والتحقيق في أي خروقات أو انتهاكات قد تحدث، إضافة إلى تحديد المسؤوليات واتخاذ إجراءات المحاسبة.
كما اقترحت الورقة تأسيس “المفوضية السياسية لوقف إطلاق النار”، لتكون جهة إشراف سياسي تتولى إدارة الخلافات المحتملة وتسوية النزاعات التي قد تظهر أثناء التنفيذ، في خطوة تعكس إدراكًا بأن التحديات السياسية لا تقل تعقيدًا عن الجوانب العسكرية.
واحدة من أبرز النقاط التي تضمنتها الورقة كانت التركيز على الدور المركزي للمدنيين في عملية إنهاء الحرب، فالمبادرة لا تنظر إلى السلام باعتباره مجرد اتفاق بين أطراف مسلحة، بل تعتبر أن استدامته تتطلب مشاركة مجتمعية واسعة في السودان.
وفي هذا السياق، شددت الوثيقة على أهمية تعزيز مبادرات المصالحة المجتمعية، وتوسيع أدوار القوى المدنية في مراقبة الانتهاكات، إلى جانب دعم مبادئ حقوق الإنسان والشفافية خلال مراحل تنفيذ الاتفاق.
ويرى متابعون أن منح المجتمع المدني دورًا محوريًا يعكس محاولة لتجنب أخطاء تجارب سابقة انتهت باتفاقات سياسية هشة سرعان ما انهارت بسبب غياب القاعدة الشعبية الداعمة لها.
إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية
ولم تتوقف المقترحات عند حدود وقف إطلاق النار، بل امتدت إلى مرحلة ما بعد النزاع، حيث دعت الورقة إلى تأسيس جيش وطني مهني موحد يخضع لقيادة مدنية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الدولة السودانية.
وتتضمن الخطة إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتنفيذ برامج لنزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، إلى جانب إنشاء وحدات عسكرية مشتركة وتشكيل مجلس دفاع موحد يضمن وحدة القرار والسيطرة العسكرية داخل البلاد.
ويشير مراقبون إلى أن ملف إصلاح القطاع الأمني يظل من أكثر القضايا تعقيدًا، بالنظر إلى تعدد التشكيلات المسلحة وتداخل الولاءات السياسية والعسكرية.
تفكيك الكتائب ذات الارتباطات الأيديولوجية
وأثارت الورقة أيضًا ملفًا حساسًا يتعلق بمستقبل التشكيلات العسكرية المرتبطة بتيارات سياسية وأيديولوجية، إذ شددت على ضرورة تفكيك المجموعات ذات الارتباطات الحزبية، ومن بينها كتائب البراء والتنظيمات المرتبطة بالحركة الإسلامية.
ويرى أصحاب المقترح أن تأسيس سلام مستدام يستوجب بناء مؤسسة عسكرية قومية محايدة لا تخضع لأي انتماءات سياسية أو أيديولوجية، باعتبار أن تسييس المؤسسة العسكرية كان أحد العوامل التي ساهمت في تعقيد المشهد السوداني خلال السنوات الماضية.
وتأتي هذه النقاشات السياسية في وقت يواجه فيه السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخه الحديث، إذ تتزايد التحذيرات الدولية من خطر المجاعة، خاصة في إقليمي دارفور وكردفان، وسط اتهامات متبادلة بعرقلة وصول المساعدات الإنسانية.
وتؤكد تقارير أممية أن ملايين السودانيين باتوا يواجهون أوضاعًا معيشية كارثية، مع تراجع الخدمات الأساسية وانتشار الأمراض والأوبئة، الأمر الذي يضاعف الضغوط على الأطراف المتصارعة للتوصل إلى تسوية عاجلة.
وعلى الرغم من تعدد المبادرات السياسية التي طرحت خلال الفترة الماضية، فإن الأزمة السودانية لا تزال بعيدة عن الحل النهائي، نتيجة تعقيدات المشهد الداخلي وتشابك المصالح الإقليمية والدولية.
لكن المشاركين في اجتماعات نيروبي يعتبرون أن الورقة الحالية تمثل تصورًا عمليًا للانتقال من الحرب إلى الدولة المدنية الديمقراطية، القائمة على مبادئ المواطنة والعدالة والسلام المستدام.
ومع اقتراب الاجتماعات من يومها الختامي، تتجه الأنظار نحو النتائج النهائية وما إذا كانت القوى السياسية والمدنية ستنجح في التوافق على إطلاق عملية سياسية شاملة وذات مصداقية، قادرة على فتح صفحة جديدة في تاريخ السودان.




