منذ توقف العمليات العسكرية في غزة ودخول الهدنة حيّز التنفيذ، تحول ملف الإعمار إلى أكثر الملفات سخونة وتشابكًا في المشهد الفلسطيني والإقليمي والدولي، فبين وعود متكررة بالتعهدات، وواقع مثقل بالركام السياسي قبل الميداني، يبدو السؤال الأهم الآن: من يملك مفتاح التمويل، ومن سيتولى إدارة الإعمار فعليًا؟
حجم الدمار وإعادة بناء القطاع
خلال الأشهر الماضية، أعلنت عشرات الدول نيتها المساهمة في إعادة بناء القطاع، لكن أغلب هذه التعهدات بقي حبرًا على ورق، فحتى اليوم، لا توجد آلية واضحة تضمن وصول الأموال إلى الداخل الفلسطيني دون أن تتعثر بين قيود الاحتلال وتعقيدات السياسة.
وتشير مصادر أممية إلى أن حجم الدمار الذي خلّفته الحرب الأخيرة يفوق قدرة أي دولة منفردة على التعويض، إذ تحتاج غزة إلى ما يقرب من 30 مليار دولار لإعادة إعمار البنية التحتية والمساكن والمستشفيات والمدارس، لكن المشكلة ليست في الرقم فقط، بل في “الجهة” التي ستحرك هذا المال وتديره بشفافية وفعالية.
التحرك الأميركي الجديد.. بين الدبلوماسية والوصاية
في هذا السياق، كشفت صحيفة “هآرتس” أن واشنطن بدأت تنفيذ خطة لإدارة ما تسميه “الإعمار المبكر”، عبر افتتاح مركز التعاون المدني العسكري في المنطقة الصناعية بكريات غات، بمشاركة دولية محدودة.
هذه الخطوة – التي وُصفت بأنها رمزية وعملية في الوقت نفسه – تؤكد رغبة الولايات المتحدة في السيطرة المباشرة على مرحلة ما بعد الحرب، دون انتظار تفاهمات نهائية مع إسرائيل أو القوى الفلسطينية.
حضور نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، والمبعوث الخاص للرئيس دونالد ترامب، ومستشاره جاريد كوشنر، وقائد القيادة المركزية الأميركية، يعكس بوضوح إصرار واشنطن على أن تكون “الوصي الفعلي” على إعادة ترتيب غزة سياسيًا واقتصاديًا، غير أن اللافت في الافتتاح، هو غياب أي مسؤول إسرائيلي، ما أظهر تباينًا واضحًا في الرؤى بين الحليفين حول مستقبل القطاع ودور كل طرف في مرحلة الإعمار.
قوة الاستقرار.. مشروع لم يولد بعد
الولايات المتحدة أعلنت عن نيتها إنشاء ما أسمته “قوة استقرار دولية” لمراقبة الهدنة وضمان تدفق المساعدات، لكن حتى الآن، لم تُبدِ سوى إندونيسيا استعدادها للمشاركة، ورحب ترامب بإعلان جاكرتا إرسال 20 ألف جندي، بينما أبدت إسرائيل تحفظًا شديدًا على أي وجود عسكري غير غربي في محيطها الأمني، معتبرة أن “أي قوة خارجية” قد تشكل تهديدًا طويل الأمد.
في المقابل، رفضت واشنطن إرسال قوات أميركية مباشرة إلى غزة، مكتفية بدور الإشراف والتنسيق، وهذا الموقف الملتبس زاد من الغموض: كيف يمكن ضمان الاستقرار وإعادة الإعمار في منطقة لا أحد مستعد للمخاطرة بتأمينها فعليًا؟
الإعمار تحت السيطرة الإسرائيلية.. معادلة مشوهة
أكثر ما يثير الجدل هو إعلان نية واشنطن البدء بإعادة إعمار مناطق من غزة لا تزال تحت السيطرة الإسرائيلية، ووفق “هآرتس”، فإن كوشنر تحدث صراحة عن “غزة جديدة” تُبنى في المناطق التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي لتوفير مساكن وفرص عمل للفلسطينيين، وهو ما يعيد إلى الأذهان مشروع “المدينة الإنسانية” الذي طرحته حكومة نتنياهو سابقًا.
هذه الرؤية تثير أسئلة جوهرية: هل يمكن الحديث عن إعمار حقيقي تحت حراب الاحتلال؟ أم أن الأمر أقرب إلى هندسة سياسية تهدف لتكريس واقع جديد يُبقي نصف القطاع خارج أي انسحاب مستقبلي؟، فإعمار بلا سيادة يعني، في جوهره، تكريس للاحتلال لا نهايته.
على الجانب العربي، برزت مصر وقطر والإمارات كلاعبين رئيسيين في جهود إعادة الإعمار، والقاهرة ما زالت تقود المبادرات السياسية والإنسانية، وأعلنت عبر “صندوق إعمار غزة” تنفيذ عدد من مشروعات البنية التحتية في شمال القطاع، بينما أكدت الدوحة استمرار دعمها عبر تحويلات مالية مباشرة للأسر الفقيرة بالتنسيق مع الأمم المتحدة.
أما الإمارات، فاختارت نهجًا تنمويًا مختلفًا، عبر تمويل مشروعات إسكان متكاملة ومستشفيات ميدانية، في إطار رؤية إنسانية بعيدة عن الجدل السياسي، لكن رغم كثافة الإعلان عن المشروعات، يبقى التنفيذ بطيئًا ومتقطعًا بسبب العراقيل الإسرائيلية.
إسرائيل والعقبات الميدانية.. الحصار لم يُرفع بعد
حتى الآن، ما تزال إسرائيل تفرض قيودًا مشددة على دخول مواد البناء والوقود إلى غزة، تحت ذريعة “الرقابة الأمنية” ومنع تسرب المعدات إلى حماس، وهذا التضييق جعل الكثير من الشركات العربية والدولية تتردد في المشاركة أو إرسال المعدات اللازمة.
ولم تنجح المفاوضات الجارية حتى اليوم في التوصل إلى آلية مستقرة تسمح بتدفق المواد دون تعطيل متكرر على المعابر، وحذرت منظمات الأمم المتحدة من أن استمرار القيود يعني عمليًا أن إعادة الإعمار لن تبدأ قبل عام 2026، حتى في حال توافر التمويل، فالمشكلة لم تعد مالية فقط، بل سياسية وأمنية بالأساس.
المفارقة أن هناك أكثر من 20 جهة دولية وإقليمية أعلنت استعدادها للمساهمة في الإعمار، لكن غياب آلية تنسيقية واحدة جعل الملف متشابكًا وفوضويًا، وتتحدث الأمم المتحدة عن ضرورة إنشاء “صندوق إعمار موحد”، إلا أن الخلاف على الجهة التي تديره – هل هي السلطة الفلسطينية أم كيان دولي محايد – عطّل أي تقدم حقيقي.
في المقابل، ترى واشنطن أن الإدارة يجب أن تكون تحت إشراف مباشر منها، بينما ترفض إسرائيل أي هيكل تمويلي لا يخضع لرقابتها الأمنية، والنتيجة: مليارات الدولارات الموعودة ما زالت معلّقة في الهواء.
الفساد ومخاوف المانحين
أحد أبرز الهواجس لدى المانحين الدوليين هو تكرار مشكلات الفساد وسوء الإدارة التي شابت مشاريع الإعمار السابقة بعد حرب 2014، وحذرت العديد من التقارير الغربية من غياب الشفافية داخل المؤسسات المحلية، ما دفع بعض الممولين إلى اشتراط مراقبة دولية دقيقة على كل دفعة مالية.
وفي هذا السياق، تسعى واشنطن إلى فرض منظومة رقابة مالية إلكترونية جديدة، تتيح تتبع الأموال من المصدر حتى المستفيد النهائي، لكن هذه الخطوة تواجه رفضًا من بعض الأطراف الفلسطينية التي تعتبرها “انتقاصًا من السيادة”.
السلطة أم حماس؟ صراع الإدارة لا يقل خطورة عن الحرب
في العمق، يواجه ملف الإعمار معضلة أخرى: من يمثل غزة إداريًا بعد الحرب؟، فالسلطة الفلسطينية تسعى لاستعادة دورها عبر “اللجنة الوطنية العليا للإعمار”، لكن حماس ترفض أي عودة سياسية أو مالية للسلطة دون تفاهم شامل، وهذا الانقسام يجعل المانحين في حيرة: هل يضخون الأموال عبر رام الله أم عبر الأمم المتحدة، والنتيجة أن المواطن الغزي ما زال ينتظر، وسط تبادل الاتهامات بين الأطراف الفلسطينية، وانشغال الإقليم بموازين النفوذ أكثر من معاناة السكان.
الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي شددوا على ضرورة وجود خطة متكاملة تضمن الشفافية، وتُحدد أولويات الإعمار بين السكن والبنية التحتية والمرافق الصحية، لكن حتى الآن، لا توجد جهة واحدة تملك المعلومات الدقيقة عن حجم الدمار أو تكلفة إعادة الإعمار الواقعية، فالتقديرات تتراوح بشكل واسع، والمشروعات تُعلن ثم تتوقف فجأة بسبب غياب التنسيق بين الجهات العاملة في الميدان.
رهان واشنطن على “الاستقرار الاقتصادي”
الولايات المتحدة تراهن على أن البدء في مشاريع إعمار صغيرة قد يخلق “ديناميكية استقرار” داخل القطاع، تُضعف نفوذ حماس وتفتح الباب أمام ترتيبات سياسية جديدة، غير أن محللين يرون أن هذه المقاربة الاقتصادية للأزمة الفلسطينية مجرد وهم، لأن الدمار في غزة ليس عمرانياً فقط بل سياسيًا وإنسانيًا عميقًا، فمن دون تسوية شاملة تضمن السيادة والحقوق، سيظل الإعمار مجرد ترميم فوق الرماد.
في ظل هذا المشهد المعقد، تجد العواصم العربية نفسها بين خيارين صعبين: إما المشاركة في مشاريع إعمار تحت إشراف دولي وإسرائيلي، بما يعني القبول ضمنيًا بالوضع الراهن، أو الامتناع والمخاطرة بترك الساحة لجهات أخرى تُعيد تشكيل غزة وفق مصالحها، فالقاهرة والدوحة وأبوظبي تتعامل بحذر بالغ، وتحاول الموازنة بين دورها الإنساني وموقفها السياسي، ورغم تصريحات عديدة عن “غزة جديدة”، لا يزال الطريق طويلًا قبل أن تتحول هذه الشعارات إلى واقع ملموس في شوارع مهدّمة تنتظر من يعيد إليها الحياة.
يرى الخبير الاقتصادي الفلسطيني د. سامر الدجاني أن أزمة إعمار غزة ليست في غياب التمويل، بل في غياب الإرادة السياسية لتوجيهه نحو هدف إنساني خالص، ويؤكد أن ما يُسمّى بـ”المانحين الدوليين” أصبحوا أدوات ضغط سياسي أكثر من كونهم شركاء في التنمية، مشيرًا إلى أن واشنطن وتل أبيب تفرضان شروطًا تجعل من أي مشروع إعمار جزءًا من معادلة السيطرة لا الإغاثة.
ويضيف الدجاني أن الأموال المرصودة تتجاوز 10 مليارات دولار حتى الآن، لكن أغلبها لم يُصرف لأن الجهات الممولة تطالب بضمانات أمنية وإدارية غير ممكنة في ظل الوضع الراهن، “الإعمار أصبح مرهونًا بموافقة إسرائيلية على كل شاحنة إسمنت وكل دفعة مالية، وهذا يعني أن غزة لن تُبنى إلا بالوتيرة التي تسمح بها تل أبيب”، يقول الدجاني.
ويحذر الخبير من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى تحويل الإعمار إلى أداة عقاب جماعي، حيث يُستخدم الحرمان من التمويل كورقة ضغط على الفصائل والسكان في آن واحد، كما أن غياب السلطة الفلسطينية عن الميدان يزيد من تفكك المشهد ويضعف ثقة المانحين في قدرة أي جهة محلية على إدارة الأموال.
ويختتم تحليله بالتأكيد على أن الحل يبدأ من اتفاق سياسي شامل يحدد هوية الجهة المسؤولة عن الإعمار، ويضع جدولًا زمنيًا شفافًا يخضع للرقابة الدولية، بعيدًا عن لعبة النفوذ بين القوى الإقليمية، فبدون مرجعية سياسية موحدة، سيظل التمويل معلقًا بين الوعود والمصالح.
واشنطن تبحث عن هندسة سياسية عبر الإعمار
من جانبه، يعتقد أستاذ العلاقات الدولية د. مازن الكرمي أن التحرك الأميركي في ملف الإعمار ليس مبادرة إنسانية خالصة، بل جزء من مشروع أوسع لإعادة صياغة المشهد السياسي في غزة بما يتناسب مع المصالح الأميركية والإسرائيلية.
ويقول إن افتتاح مركز التعاون المدني العسكري في كريات غات لم يكن خطوة رمزية فحسب، بل إشارة إلى أن واشنطن تسعى لفرض نموذج “الإعمار مقابل الاستقرار”، وهو مفهوم جديد يعني ربط المساعدات بتحجيم حماس وإعادة هيكلة السلطة المحلية.
ويشير “الكرمي” إلى أن الإدارة الأميركية الحالية تحاول أن تظهر بمظهر الوسيط الإنساني، لكنها في الحقيقة تعيد إنتاج نفس المعادلة القديمة: “الأمن لإسرائيل أولًا، ثم الاقتصاد للفلسطينيين”، ويضيف أن هذه الرؤية تجعل من إعمار غزة وسيلة هندسة سياسية وليست خطة إنقاذ، حيث يجري تصميم المشروعات بطريقة تخلق واقعًا جديدًا دون الحاجة إلى اتفاق سياسي شامل.
كما يلفت “الكرمي” إلى أن غياب التنسيق العربي في مواجهة هذه الاستراتيجية يمنح واشنطن مساحة أكبر للمناورة، موضحًا أن مصر وقطر والإمارات تمتلك أدوات قوية لو نسّقت مواقفها، لكنها حتى الآن تتصرف كل على حدة، ويرى أن مستقبل غزة سيتحدد ليس بكمية الأموال، بل بمن يملك “خريطة الطريق” السياسية للإنفاق، وهذا ما تحاول واشنطن الاستحواذ عليه تحت غطاء الإعمار.
تل أبيب لن تسمح بإعمار بلا رقابة أمنية
أما المحلل السياسي الإسرائيلي يائير بن نحمان، فيرى أن إسرائيل تنظر إلى ملف الإعمار من زاوية أمنية بحتة، وتعتبر أي مشروع في غزة “تهديدًا محتملًا” ما لم يخضع لإشرافها المباشر، ويقول “بن نحمان” إن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ترفض تمامًا إدخال مواد البناء أو التمويل دون مراقبة صارمة، لأن “الخبرة السابقة أظهرت أن جزءًا من مواد الإعمار يمكن أن يتحول إلى بنية تحتية عسكرية لحماس”.
ويضيف أن تل أبيب لا تمانع مبدئيًا في إعادة إعمار غزة، لكنها تصر على أن يتم ذلك في مناطق محددة وتحت إشراف دولي–إسرائيلي مشترك. ووفق رؤيته، فإن فكرة “المدينة الإنسانية” التي طُرحت سابقًا ما تزال مطروحة على الطاولة، باعتبارها نموذجًا يمكن تطبيقه في مناطق جنوب القطاع مثل رفح، لتكون منطقة سكنية واقتصادية جديدة خالية من نفوذ الفصائل.
ويشير “بن نحمان” إلى أن إسرائيل تدرك أن أي إعمار شامل سيعني استعادة الحياة الطبيعية في غزة، وهو ما يتناقض مع هدفها الأساسي في “ردع حماس” ومنع إعادة بناء قوتها، لذلك تحاول أن تبقي عملية الإعمار مقيدة زمنياً وجغرافياً، لتظل ورقة تفاوض وضغط في يدها.
ويختم تحليله بالقول إن تل أبيب تفضل نموذجًا تدريجيًا تحت إشراف أميركي مباشر، لأن هذا السيناريو يضمن استمرار التنسيق الأمني والسيطرة على الموارد، دون أن تُتهم علنًا بعرقلة إعادة الإعمار، لكنه يؤكد أن هذا الخيار، رغم واقعيته بالنسبة لإسرائيل، يضع القطاع في دائرة “اللاحل”، حيث الإعمار لا يُستكمل، والحرب لا تُغلق.






