في خطوة تعكس تصاعد التوترات الإقليمية، تتجه إيران نحو تغييرات هيكلية في مجلسها الأعلى للأمن القومي، من خلال تشكيل «لجنة دفاع عليا» تُعد بمثابة «غرفة حرب» دائمة، في ظل ما تصفه طهران بتهديدات إسرائيلية متزايدة. التحركات الأخيرة تشمل أيضاً تعيين شخصيات بارزة في مواقع استراتيجية، على رأسهم علي لاريجاني، الذي يُتوقع أن يعود لمنصب الأمين العام للمجلس.
وفقاً لمصادر رسمية إيرانية، فإن هذه الخطوات تأتي ضمن مراجعة شاملة للجاهزية العسكرية والأمنية، بعد الضربات الإسرائيلية غير المسبوقة الشهر الماضي، والتي استهدفت قيادات عليا ومنشآت حيوية، بما فيها مواقع نووية وعسكرية.
بزشكيان يرأس اللجنة.. وأحمديان لمهام استراتيجية
بحسب وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، فإن اللجنة الجديدة سيترأسها الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، على أن يتولى الأمين العام الحالي لمجلس الأمن القومي، علي أكبر أحمديان، دوراً جديداً يُركّز على السياسات الدفاعية الاستراتيجية.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن هذه اللجنة لن تكون مجرد هيئة تنسيقية، بل ستعمل كقيادة عمليات دائمة، ذات صلاحيات ميدانية موسعة، في وقت تشتد فيه الضغوط الأمنية والسياسية على النظام الإيراني.
لاريجاني يعود إلى مركز القرار الأمني
رجحت صحف إيرانية مقربة من دوائر صنع القرار، أن يصدر المرشد الأعلى علي خامنئي خلال أيام مرسوماً بتعيين مستشاره الخاص، علي لاريجاني، أميناً عاماً للمجلس الأعلى للأمن القومي. ويُعد لاريجاني من الشخصيات ذات البصمة المؤثرة في الأمن والدبلوماسية، وسبق له تولي هذا المنصب في الفترة بين 2003 و2005، قبل أن يشغل لاحقاً منصب رئيس البرلمان الإيراني لسنوات.
توقيت إعادة لاريجاني إلى هذا الموقع الحساس لا يبدو عابراً، إذ تأتي هذه الخطوة بينما يتعاظم قلق طهران من احتمال اندلاع مواجهة مباشرة مع تل أبيب، واحتمالات التصعيد على أكثر من جبهة، خاصة بعد الاتهامات المتبادلة بالوقوف خلف عمليات اغتيال وتخريب.
الجيش الإيراني: جاهزون للرد بصواريخ ومسيرات
قائد الجيش الإيراني، أمير حاتمي، أكّد في تصريحات حاسمة، أن التهديدات الإسرائيلية “لا تزال قائمة”، مشدداً على أن منظومة الدفاع الإيرانية، من صواريخ دقيقة وطائرات مسيّرة، “في أعلى درجات الجاهزية”.
وقال حاتمي إن “أي خطأ في الحسابات من قبل الأعداء سيواجه برد قوي ومدروس”، في إشارة ضمنية إلى ما تعتبره طهران قواعد اشتباك جديدة.
هذه التصريحات تأتي بالتوازي مع تحركات عسكرية داخلية، وتكثيف التدريب على مواجهة «الضربات المركّبة»، مما يعكس خشية طهران من تكرار سيناريو الضربات الأخيرة أو توسع نطاقها إلى جبهات أخرى، بما في ذلك الداخل الإيراني.
«لجنة الدفاع العليا».. ملامح استراتيجية لحرب محتملة؟
يرى محللون إيرانيون أن تشكيل لجنة الدفاع العليا يمثل بداية تحول فعلي في بنية صناعة القرار الأمني في إيران، باتجاه اعتماد نموذج دائم للتعبئة وإدارة الأزمات، يشبه ما حدث في أوقات الحرب العراقية – الإيرانية. وتشير قراءات داخلية إلى أن إيران تسعى إلى استباق أي حرب واسعة النطاق، عبر تعزيز التنسيق بين القوات النظامية و«الحرس الثوري»، وتمكين مؤسسة الرئاسة من دور ميداني مباشر.
كما يُنظر إلى تعيين لاريجاني – بخلفيته الأمنية والدبلوماسية – كرسالة مزدوجة: الداخل الإيراني من جهة، والخارج الغربي والإقليمي من جهة أخرى، مفادها أن طهران تتجه نحو الحزم وليس التصعيد العشوائي.
بين الدفاع والتحذير.. إيران ترسم خطوط المواجهة
الخطوات الإيرانية الجديدة تشير إلى مرحلة أكثر حساسية في علاقة إيران بجيرانها وخصومها. وبينما تُؤكد طهران على “الردع الاستراتيجي”، فإن تشكيل لجنة عليا للدفاع، وتعيين شخصيات مؤثرة في مراكز القرار، قد يكون بمثابة استشراف لمشهد إقليمي أكثر اضطراباً، وربما أكثر تصادماً.
وفي ظلّ غياب قنوات دبلوماسية فاعلة مع تل أبيب، وارتفاع سقف التوتر مع الولايات المتحدة، يبقى السؤال: هل تنجح طهران في إدارة المرحلة المقبلة من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة؟ أم أن حسابات الحرب باتت أقرب من أي وقت مضى؟.






