لم تعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي تطلقها طهران أو تلك التي تنجح واشنطن في اعتراضها. فمع استمرار الهجمات وتراجع مخزونات الصواريخ الاعتراضية الأميركية، يبدو أن إيران تعمل على تعديل طريقة استخدام ترسانتها الصاروخية والطائرات المسيّرة، بهدف زيادة الضغط على منظومات الدفاع الجوي الأميركية وإجبارها على استهلاك المزيد من الذخائر.
وتشير تقارير أميركية إلى أن الهجمات الإيرانية أصبحت تعتمد بدرجة أكبر على تنويع وسائل الهجوم وتوقيتها ومساراته، في محاولة لجعل مهمة الدفاع الجوي أكثر تعقيدًا.
في المقابل، تواجه الولايات المتحدة مشكلة لا تتعلق بقدرة منظوماتها على الاعتراض بقدر ما تتعلق بقدرتها على الحفاظ على وتيرة الاعتراض نفسها لفترة طويلة.
صاروخ واحد يخترق الدفاعات
برزت هذه المسألة مجددًا خلال الهجمات الإيرانية التي استهدفت قواعد أميركية في الأردن في يوليو/تموز.
وعلى مدى عدة أيام، أطلقت إيران موجات من الطائرات المسيّرة والصواريخ باتجاه مواقع تضم قوات أميركية. وتمكنت الدفاعات الجوية من اعتراض الغالبية العظمى من المقذوفات، لكن أحد الصواريخ تمكن من اختراقها وأصاب منشأة تضم عسكريين أميركيين، وفق تقارير أميركية عن الهجوم.
وبالنسبة إلى واشنطن، لا يمثل وصول صاروخ واحد بالضرورة فشلًا لمنظومة الدفاع، خصوصًا عندما تكون قد اعترضت عشرات المقذوفات الأخرى.
لكن التطور يكتسب أهمية مختلفة إذا وضع في إطار أوسع: كم عدد صواريخ الاعتراض التي يتعين على الولايات المتحدة إطلاقها لمنع صاروخ واحد من الوصول إلى هدفه؟
هذا السؤال أصبح أكثر إلحاحًا مع تراجع مخزون الذخائر الأميركية.
إيران تغيّر طريقة الهجوم
بحسب تقارير تستند إلى مسؤولين أميركيين، لم تعد إيران تعتمد فقط على إطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ، وإنما تعمل على جعل الهجمات نفسها أكثر تعقيدًا.
ويشمل ذلك استخدام الطائرات المسيّرة بالتزامن مع الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، وإطلاق المقذوفات على شكل موجات، وتوجيهها نحو أكثر من موقع في الوقت نفسه.
وتكمن أهمية هذا الأسلوب في أنه يضع منظومات الدفاع الجوي أمام أهداف مختلفة في وقت واحد، لكل منها سرعة ومسار وقدرة تدميرية مختلفة.
وتشير تحليلات عسكرية إلى أن هذا النوع من الهجمات ظهر بوضوح في ساحات أخرى، خصوصًا الحرب في أوكرانيا، حيث تستخدم روسيا مزيجًا من الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيّرة لإرباك الدفاعات الجوية واستنزاف صواريخ الاعتراض. كما أظهرت دراسات حول التكتيكات الإيرانية أهمية الجمع بين الطائرات المسيّرة والصواريخ ضمن حزم هجومية مختلطة.
معركة استنزاف في مخازن الذخيرة
تأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة ضغوطًا متزايدة على مخزون صواريخ الدفاع الجوي.
ووفق تقرير نشرته رويترز في 7 أغسطس/آب، استُهلك نحو 65% من مخزون الولايات المتحدة من صواريخ باتريوت بين فبراير/شباط ويوليو/تموز، ولم يتبقَّ، بحسب التقديرات التي نقلها التقرير، سوى أقل من 850 صاروخ اعتراض.
ولا تقتصر المشكلة على المخزون المتاح في المستودعات، إذ إن زيادة الإنتاج تحتاج إلى وقت. ويُعد صاروخ PAC-3 MSE، المستخدم في اعتراض عدد من التهديدات الباليستية، من أكثر صواريخ الدفاع الجوي تطورًا وتكلفة، وتقدر رويترز سعر الصاروخ الواحد منه بنحو 4 إلى 5 ملايين دولار.
وهكذا، أصبح لكل موجة صاروخية إيرانية بُعد آخر بالنسبة إلى الولايات المتحدة: ليس فقط ما يمكن أن تدمره، وإنما كمية الذخيرة الأميركية التي يمكن أن تجبر الدفاعات على استخدامها للتصدي لها.
سلاح رخيص في مواجهة منظومة باهظة
تزداد حساسية هذه المعادلة عندما تدخل الطائرات المسيّرة إلى الحساب.
فبعض المسيّرات الهجومية أقل تكلفة بكثير من صواريخ الاعتراض التي تستخدم لإسقاطها. وفي إحدى مراحل الحرب، أظهرت تقديرات نقلتها وسائل إعلام أن تكلفة الدفاع ضد موجات من الطائرات المسيّرة يمكن أن تتجاوز بكثير تكلفة إنتاج تلك الطائرات نفسها.
وهذا لا يعني أن الطائرات المسيّرة قادرة على تجاوز الدفاعات الأميركية بسهولة، بل يعني أن المهاجم يستطيع أحيانًا فرض معادلة اقتصادية غير مواتية للمدافع.
فإذا اضطرت منظومة دفاعية متقدمة إلى استخدام صاروخ بملايين الدولارات ضد هدف أرخص بكثير، فإن استمرار الهجمات يصبح مشكلة لوجستية، حتى إذا بقي معدل الاعتراض مرتفعًا.
تجربة أوكرانيا حاضرة في الحسابات
لا تبدو هذه التكتيكات معزولة عن التطورات التي شهدتها الحرب في أوكرانيا.
فروسيا استخدمت خلال الحرب مزيجًا من الصواريخ والطائرات المسيّرة في هجمات متزامنة، ما فرض على الدفاعات الأوكرانية التعامل مع عدد كبير من الأهداف المختلفة في وقت قصير.
وتقول تحليلات عسكرية إن إيران استفادت من مراقبة هذه التجربة، خصوصًا فيما يتعلق بكيفية استنزاف مخزونات الدفاع الجوي لدى الخصم من خلال الجمع بين أسلحة منخفضة التكلفة نسبيًا وأخرى أكثر تطورًا.
ويعني ذلك أن المواجهة لم تعد مجرد سباق بين قدرة الصاروخ الهجومي على اختراق الدفاع وقدرة الصاروخ الاعتراضي على إسقاطه.
إنها أيضًا سباق بين مخزونات الذخيرة وقدرات الإنتاج.
الولايات المتحدة أمام معادلة صعبة
تملك الولايات المتحدة منظومة واسعة من وسائل الدفاع الجوي والصاروخي، ولا يعتمد دفاعها على باتريوت وحده. لكن صواريخ باتريوت، إلى جانب منظومات أخرى مثل THAAD، تمثل جزءًا أساسيًا من شبكة حماية القوات والمنشآت الأميركية في المنطقة.
ومع تعدد القواعد الأميركية وانتشارها، يصبح الحفاظ على مستويات مرتفعة من الحماية مسألة تتطلب كميات كبيرة من الذخائر.
وتزداد الضغوط بسبب وجود جبهة أخرى تحتاج إلى صواريخ الاعتراض، هي أوكرانيا، التي تواجه بدورها هجمات روسية مكثفة بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
وتشير رويترز إلى أن الطلب العالمي على منظومات باتريوت ارتفع بشكل كبير خلال عام 2026 بسبب الحرب في أوكرانيا والحرب مع إيران، ما أدى إلى ضغط واسع على الإمدادات العالمية.
نجاح الدفاعات لا يلغي مشكلة الاستنزاف
حتى الآن، لا تشير المعطيات إلى انهيار الدفاعات الأميركية.
فقد تمكنت الولايات المتحدة وشركاؤها من اعتراض نسبة كبيرة من الهجمات الإيرانية، وهو ما حدّ من الأضرار التي كان يمكن أن تسببها موجات الصواريخ والطائرات المسيّرة.
لكن ارتفاع نسبة الاعتراض لا يعني أن تكلفة الدفاع منخفضة.
على العكس، كلما ارتفع عدد المقذوفات التي يتم اعتراضها، ارتفع في المقابل استهلاك الذخائر الدفاعية، خصوصًا إذا استمرت الهجمات لفترة طويلة.
ولهذا تتحول المعركة تدريجيًا من سؤال «هل تستطيع الولايات المتحدة اعتراض الصواريخ الإيرانية؟» إلى سؤال آخر أكثر ارتباطًا بالمدى الزمني للحرب: «هل تستطيع الحفاظ على هذه القدرة بالمستوى نفسه؟»
طهران تراهن على الوقت
لا يعني هذا أن إيران أصبحت صاحبة التفوق الجوي أو أن دفاعات الولايات المتحدة فقدت فعاليتها.
لكن التقارير الأخيرة تشير إلى تغير في طبيعة الحسابات الإيرانية.
فبدل الاعتماد على اختراق واسع للدفاعات، يمكن لطهران أن تسعى إلى إرباكها واستنزاف مخزونها تدريجيًا، عبر هجمات تجمع بين الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة، وتستهدف أكثر من موقع وفي أوقات متقاربة.
وفي هذه الحالة، تصبح قدرة إيران على إنتاج أو إطلاق مزيد من المقذوفات عاملًا واحدًا فقط في المعادلة.
العامل الآخر هو قدرة الولايات المتحدة على إنتاج صواريخ الاعتراض وتعويض ما يُستهلك منها.
المعركة تمتد إلى ما وراء ساحة القتال
تكشف هذه التطورات عن جانب من الحروب الحديثة لا يظهر دائمًا في صور الصواريخ وهي تسقط في السماء.
فوراء كل عملية اعتراض سلسلة من المصانع وخطوط الإنتاج والمخازن وعمليات النقل والتمويل.
وإذا تمكنت إيران من إجبار الولايات المتحدة على استخدام صواريخ اعتراض متطورة بوتيرة أسرع من قدرة الصناعة الأميركية على تعويضها، فإن تأثير الهجمات يمكن أن يمتد إلى ما هو أبعد من الأهداف التي أصابتها مباشرة.
وبذلك، فإن المعركة الحالية لا تدور فقط حول القواعد الأميركية أو المنشآت الإيرانية، بل حول من يستطيع الحفاظ على قدرته القتالية لفترة أطول.
وهذه المعادلة هي التي تجعل مخزونات الصواريخ الاعتراضية الأميركية أحد أهم الملفات في المرحلة المقبلة من الحرب.






