فتحت طهران ما وصفه مراقبون بـ”نصف نافذة” تجاه العودة للمفاوضات النووية مع الولايات المتحدة، في وقت بدت فيه المحادثات مع الأوروبيين وكأنها بلغت طريقاً مسدوداً.
وبينما تواصل إيران إرسال إشارات مزدوجة تجمع بين التهديد والتريث، ارتفعت وتيرة القلق الدولي من احتمال إعادة تشغيل برنامج تخصيب اليورانيوم بوتيرة متقدمة.
قال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في تصريحات جديدة أمس، إن “إيران قادرة على استئناف تخصيب اليورانيوم رغم كل الضربات التي تعرضت لها البنية النووية”، مضيفاً: “لكن كيف ومتى؟… فذلك يعتمد على الظروف”.
النووي الإيراني: تهديد مشروط وفتوى ثابتة
في الوقت الذي تلوّح فيه طهران باستئناف النشاط النووي، شدد عراقجي على استمرار التزام بلاده بـ”الفتوى الدينية الصادرة منذ عشرين عاماً، والتي تحرّم إنتاج الأسلحة النووية”. لكن هذه التصريحات لم تمنع إثارة تساؤلات دولية حول جدية طهران في احترام القيود التقنية، في ظل تأرجح واضح بين السقف السياسي والديني وبين الحوافز الاستراتيجية المحتملة.
وبحسب دبلوماسيين غربيين تحدثوا لوسائل إعلام، فإن إيران ما زالت تحتفظ بقدرات تقنية متقدمة تسمح لها بتسريع عمليات التخصيب خلال أسابيع، ما لم يتم التوصل إلى تفاهم جديد يضبط وتيرة البرنامج النووي ويوفر ضمانات متبادلة.
مفاوضات أوروبا.. في العناية المركزة
على صعيد الحوار مع الدول الأوروبية، بدت لهجة المسؤولين الإيرانيين أكثر تشاؤماً. فقد أكدت فاطمة مهاجراني، المتحدثة باسم الحكومة، أن “المفاوضات، بمعنى السعي إلى التوصل لاتفاق مع الدول الأوروبية الثلاث، غير موجودة في الوقت الراهن”، وهو تصريح يعكس الجمود الذي أصاب مسار التفاوض بين طهران وكل من باريس وبرلين ولندن.
المحادثات التي جرت مؤخراً في إسطنبول، وانتهت بمغادرة الوفد الأوروبي دون أي تقدم ملموس، أعادت التأكيد على عمق الهوة بين الطرفين، خصوصاً بعد فشل محاولة تقريب وجهات النظر حول الضمانات الأمنية وملف العقوبات.
طهران تطالب بتعويضات أميركية… فهل من عودة؟
في سياق منفصل، كررت إيران مطالبتها للولايات المتحدة بتقديم “تعويضات” عن الانسحاب من الاتفاق النووي عام 2018 وما تلاه من عقوبات مشددة، كشرط أساسي للعودة إلى طاولة التفاوض.
وقال عراقجي إن “الكرة ليست في ملعب طهران فقط”، مضيفاً: “إذا كانت واشنطن جادة فعلاً في العودة للاتفاق، فعليها أن تظهر ذلك بخطوات ملموسة، وفي مقدمتها معالجة آثار الانسحاب أحادي الجانب”.
في المقابل، لم يصدر عن الإدارة الأميركية أي تعهد جديد بشأن التعويضات، لكنها أشارت في أكثر من مناسبة إلى رغبتها في إعادة فتح قنوات التفاوض بشرط أن تتراجع طهران عن خطوات التصعيد النووي الأخيرة.
غموض استراتيجي وتكتيك تفاوضي؟
يرى مراقبون أن الموقف الإيراني الحالي يجسّد ما يمكن وصفه بـ”الغموض الاستراتيجي”، إذ تسعى طهران لرفع سقف التفاوض عبر التهديد، لكنها في الوقت نفسه تبقي الباب موارباً أمام الحلول الدبلوماسية.
هذا التوجه يهدف، وفق بعض التحليلات، إلى اختبار جدية الأطراف الغربية وتحقيق أكبر قدر من المكاسب السياسية والاقتصادية، في ظل أزمة اقتصادية خانقة تعاني منها البلاد داخلياً، وضغوط خارجية متزايدة.
لا اتفاق قريب.. لكن لا قطيعة شاملة
في ظل هذا المشهد المعقد، لا يبدو أن عودة الاتفاق النووي باتت وشيكة، إلا أن نافذة التفاوض لا تزال مفتوحة – وإن كانت نصف نافذة – ويعتمد مصيرها على مدى مرونة الأطراف، واستعدادها لتقديم تنازلات متبادلة على مسرح إقليمي مشتعل.






