دخلت أزمة ما بات يُعرف بـ«القاعدة الإسرائيلية» في العراق مرحلة أكثر تعقيداً، بعد دخول إيران رسمياً على خط الجدل الدائر بشأن تقارير تحدثت عن وجود موقع عسكري سري لإسرائيل داخل الأراضي العراقية، في منطقة صحراوية تقع بين محافظتي النجف وكربلاء، وسط تضارب واضح في الروايات الرسمية العراقية بشأن حقيقة ما جرى.
وأثارت التقارير الغربية، التي كشفت عن نشاط عسكري إسرائيلي سري داخل العراق خلال الحرب الأخيرة بين إسرائيل وإيران، عاصفة سياسية وأمنية في بغداد، دفعت أطرافاً برلمانية وأمنية إلى المطالبة بتحقيقات عاجلة، في وقت تحاول فيه الحكومة احتواء تداعيات القضية التي تمسّ بشكل مباشر ملف السيادة العراقية.
إيران تدخل على خط الأزمة
وجاء الموقف الإيراني سريعاً وحاسماً، بعدما أعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن طهران “لا تستبعد أي احتمال يتعلق بتحركات الكيان الصهيوني في المنطقة”، مؤكداً أن القضية “ستُطرح على الجانب العراقي”.
ويعكس التصريح الإيراني حجم القلق الذي تنظر به طهران إلى ما ورد في التقارير الأميركية، خصوصاً أن الحديث يدور عن قاعدة استخدمت لدعم العمليات الجوية الإسرائيلية ضد إيران خلال المواجهة العسكرية التي اندلعت في فبراير الماضي.
ويرى مراقبون أن دخول إيران على خط الأزمة يضع بغداد في موقف بالغ الحساسية، خاصة مع ارتباط العراق بعلاقات سياسية وأمنية معقدة مع كل من واشنطن وطهران، في وقت تحاول فيه الحكومة العراقية تجنب التحول إلى ساحة صراع مفتوح بين القوى الإقليمية والدولية.
«وول ستريت جورنال» تفجر القضية
وكانت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية قد فجّرت الأزمة بعدما كشفت، السبت الماضي، أن إسرائيل أنشأت موقعاً عسكرياً سرياً داخل الصحراء العراقية لدعم حملتها الجوية ضد إيران.
وبحسب الصحيفة، فإن القوات الإسرائيلية نفذت غارات ضد قوة عراقية اقتربت من اكتشاف الموقع العسكري السري خلال العمليات العسكرية الأخيرة، ما أدى حينها إلى مقتل أحد عناصر الجيش العراقي وإصابة آخرين.
وأعادت هذه المعلومات إلى الواجهة حادثة الغارة الجوية التي وقعت في مارس 2026، والتي أثارت وقتها الكثير من علامات الاستفهام، قبل أن تعود اليوم ضمن سياق مختلف أكثر حساسية وخطورة.
خلية الإعلام الأمني تنفي
وفي المقابل، سعت خلية الإعلام الأمني العراقية إلى احتواء الجدل المتصاعد، عبر نفي وجود أي إنزال جوي جديد أو قوات أجنبية غير مرخصة داخل المناطق الصحراوية المشار إليها.
وقال رئيس الخلية سعد معن إن الحادثة تعود إلى الخامس من مارس الماضي، حين اشتبكت قوات عراقية مع “قوى مجهولة غير مرخصة”، مؤكداً أن عمليات التفتيش الأخيرة لم تسفر عن العثور على أي وجود عسكري أجنبي أو معدات مشبوهة.
لكن مراقبين اعتبروا أن الرواية الرسمية بدت مرتبكة، خاصة أنها ركزت على نفي وجود “حديث” للقوات الأجنبية، بينما كانت التقارير الغربية تتحدث عن وجود سابق ومستمر لموقع عسكري سري، وليس عن إنزال جديد فقط.
رواية «راعي الأغنام»
وفي محاولة لتقديم تفسير مختلف، كشف حسين علاوي، مستشار رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، تفاصيل مغايرة لما ورد في التقارير الأميركية.
وقال علاوي إن ما جرى لم يكن قاعدة إسرائيلية، بل عملية إنزال جوي هدفت إلى استعادة “شيء سقط من السماء” خلال الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، موضحاً أن راعي أغنام أبلغ القوات العراقية بتحركات غريبة في المنطقة، ما دفع القوات الأمنية إلى التحرك وإفشال العملية.
ونفى علاوي بشكل قاطع وجود أي قاعدة إسرائيلية داخل العراق، معتبراً أن تقرير الصحيفة الأميركية “غير دقيق ويحاول إثارة قضايا سياسية وأمنية”.
البرلمان يتحرك للتحقيق
وعلى وقع تضارب الروايات، أعلنت لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي عزمها استضافة عدد من القيادات الأمنية والعسكرية للتحقيق في المعلومات المتعلقة بـ«الخروقات والأنشطة العسكرية الأجنبية» في المناطق الحدودية بين كربلاء والأنبار.
وأكد عضو اللجنة كريم عليوي المحمداوي أن معلومات وردت سابقاً بشأن تحركات لقوات أميركية داخل تلك المناطق، مشيراً إلى أن التحقيقات الأولية تتحدث عن محاولات لاستخدام هذه المناطق كنقاط دعم لعمليات عسكرية تستهدف إيران عبر الصواريخ والطائرات المسيرة.
وشددت اللجنة على رفضها القاطع لتحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو منصة للاعتداء على دول الجوار، في رسالة تعكس حجم القلق داخل الأوساط السياسية العراقية من تداعيات القضية.
العراق في قلب الصراع الإقليمي
وتكشف هذه الأزمة حجم التعقيدات التي يواجهها العراق في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، خصوصاً مع استمرار المواجهة غير المباشرة بين إيران وإسرائيل، واتساع نطاق العمليات العسكرية والاستخباراتية في المنطقة.
ويخشى كثير من العراقيين أن تؤدي هذه التطورات إلى إعادة البلاد إلى دائرة الصراعات الإقليمية المفتوحة، بعدما تحولت أراضيه خلال السنوات الماضية إلى ساحة نفوذ متشابكة بين واشنطن وطهران والفصائل المسلحة.
ومع استمرار الجدل بشأن حقيقة “القاعدة السرية”، تبدو بغداد أمام اختبار سياسي وأمني صعب، بين ضغوط الداخل، وتحذيرات طهران، والتسريبات الغربية التي تفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة حول حجم الاختراقات الأمنية داخل الأراضي العراقية




