تشير التطورات السياسية الأخيرة في إسرائيل إلى تصاعد الاضطرابات داخل الائتلاف الحاكم، وسط انقسامات داخل الأحزاب الدينية المتشددة حول مسألة التجنيد والخدمة العسكرية، وهي القضية التي فجّرت التوترات بين مكوّنات الحكومة. إعلان حزب “شاس” عن استقالة أعضائه من الحكومة، دون التخلي عن مواقعهم داخل الائتلاف البرلماني، يعكس محاولة تكتيكية للضغط السياسي دون المخاطرة بانهيار التحالف القائم.
امتيازات السلطة
على عكس حزب “يهدوت هتوراة” الذي اختار استقالة أكثر جوهرية من مواقع التأثير، اختار “شاس” طريقاً وسطاً يُبقي على نفوذه داخل اللجان البرلمانية، لا سيما لجنة الكنيست، التي تمثل حجر الزاوية في هندسة الحياة البرلمانية والسياسية في إسرائيل. بهذا المعنى، فإن استقالة شاس تُعد رمزية أكثر منها عملية، فهي لا تفرّط في أدوات التأثير بقدر ما تعبّر عن موقف احتجاجي محسوب، يُظهر الغضب من سياسات الحكومة دون أن يُخلّ بتوازن القوى داخل الائتلاف.
هذا القرار يساهم عملياً في تجنيب الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو خطر الانهيار الفوري، ويمنحها وقتاً إضافياً لإعادة تنظيم صفوفها أو محاولة استرضاء الأحزاب الدينية. وفي الوقت نفسه، يسمح لحزب شاس بالحفاظ على صورته أمام قواعده الانتخابية بأنه يرفض تجاهل قضايا جوهرية مثل قانون الإعفاء من الخدمة العسكرية، دون أن يخسر امتيازات السلطة.
الخلاف على قانون التجنيد
في الخلفية، يبدو أن الحزب يراهن على البقاء ضمن معادلة النفوذ، خصوصاً من خلال عضويته في لجنة الكنيست التي تملك صلاحيات واسعة، ليس فقط في صياغة الإجراءات البرلمانية، بل أيضاً في التأثير على تشكيل اللجان وتوزيع المناصب الحساسة داخل الكنيست. إن استمرار وجود شاس في هذه اللجنة، رغم “استقالته” الشكلية، يضمن للائتلاف استمرار الغلبة في الهيئات التشريعية، ويمنع المعارضة من تحقيق توازن في مراكز النفوذ.
من ناحية أخرى، يكشف المشهد عن أزمة عميقة تتجاوز الخلاف على قانون التجنيد، لتصل إلى غياب الانضباط الائتلافي واستمرار المقاطعة الفعلية من قبل الأحزاب الحريدية لبعض آليات العمل البرلماني. هذه المقاطعة عطّلت تمرير مشاريع قوانين عديدة، وساهمت في خلق حالة من الشلل السياسي الذي جعل الحكومة عاجزة عن إدارة أجندتها التشريعية، بل وأجبرتها على سحب قوانين من جدول أعمال الكنيست.
أما على مستوى التوزيع الوزاري، فإن السيناريوهات المطروحة تفتح الباب أمام تحركات غير مضمونة العواقب. فإعادة توزيع الحقائب في حال تفعيل الاستقالات بشكل كامل قد تخلق توازنات جديدة داخل الائتلاف، وربما ترضي بعض الشركاء لكنها قد تُغضب آخرين. وفي المقابل، الامتناع عن التوزيع قد يُستخدم حجة لخفض النفقات الحكومية، وهو أمر تسعى بعض الأوساط في الحكومة لتوظيفه إعلامياً لتجميل صورة السلطة في ظل الأزمة السياسية والمالية المتفاقمة.
هشاشة البنية الائتلافية
بذلك، تكشف خطوة حزب شاس عن مهارة سياسية مزدوجة: فهي تعبر عن تململ من الواقع السياسي الراهن، دون أن تجرّ الحزب إلى مواجهة مفتوحة مع شركائه في الحكم. لكنها في الوقت نفسه تُعبّر عن هشاشة البنية الائتلافية الحالية، والتي تبدو عرضة للتفكك في أي لحظة، خاصة في حال تصاعد الخلافات الداخلية، أو اتساع هوة عدم الثقة بين مكوناتها.
يمكن القول إن إسرائيل تقف اليوم أمام حكومة متماسكة شكلياً، لكنها مشلولة وظيفياً، ومرهونة بتوازنات دقيقة يصعب الحفاظ عليها طويلاً في ظل صراع داخلي على القوانين والسلطة والهوية الدينية للدولة.





