تتجه الأنظار إلى مدينة غزة التي تستعد لأن تكون مسرحًا لواحدة من أعنف المراحل العسكرية في الحرب المستمرة، حيث كشفت مصادر أمنية إسرائيلية لصحيفة إسرائيل اليوم أن العملية البرية المرتقبة للسيطرة على المدينة قد تمتد لفترة تتراوح بين شهرين إلى ثلاثة أشهر، تعقبها مرحلة أُطلق عليها اسم “التطهير” داخل الأحياء، والتي قد تستمر لأشهر إضافية. هذه التقديرات الزمنية تكشف أن الاحتلال لا يضع خطته على أساس عملية سريعة أو محدودة، بل يستعد لحرب استنزاف حضرية طويلة الأمد في أكثر المناطق اكتظاظًا بالسكان في القطاع.
إدخال قوات برية
الجيش الإسرائيلي، بحسب المصادر، أنهى تحضيراته اللوجستية والعسكرية لإدخال قواته البرية بشكل تدريجي وحذر، مستندًا إلى استراتيجية تقوم على استخدام نيران كثيفة وواسعة النطاق لتفادي الكمائن التي يعتقد أنها أُعدت من قبل كتائب القسام داخل الأزقة والمناطق السكنية. هذا النهج العسكري يعكس إدراك إسرائيل لتعقيدات القتال في بيئة حضرية مكتظة، حيث تختلط المنازل بالأسواق والمدارس والمستشفيات، ما يجعل أي عملية برية محفوفة بمخاطر الخسائر البشرية بين الجنود والمدنيين على حد سواء.
في البعد الإنساني، تشير التقديرات إلى أن نحو 300 ألف من أصل 800 ألف من سكان غزة نزحوا بالفعل بفعل القصف المستمر، بينما من المتوقع أن يبقى ما بين 100 إلى 300 ألف مدني داخل المدينة. هذا الواقع يعتبره الجيش الإسرائيلي عاملًا معقدًا يعيق حسم المعركة بسرعة، في ظل قلق متزايد من إمكانية استغلال حماس لبقاء المدنيين داخل المدينة واستخدامهم كدروع بشرية، وهو خطاب تتبناه إسرائيل لتبرير كثافة عملياتها العسكرية التي غالبًا ما تؤدي إلى مجازر بحق السكان.
من الناحية السياسية، تلوّح إسرائيل بمرونة تكتيكية تتمثل في إمكانية وقف التقدم العسكري مؤقتًا إذا تم التوصل إلى صفقة تبادل أسرى، غير أن المستوى السياسي –وفق التسريبات– يتمسك برؤية صفقة شاملة تغلق هذا الملف دفعة واحدة، بدلاً من التوصل إلى اتفاقات جزئية. هذا يعكس إدراكًا بأن أي توقف غير محسوب قد يضعف الزخم العسكري ويفتح ثغرات في الاستراتيجية التي تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى فرضها على الأرض.
إسرائيل تستعد لمعركة طويلة
بالتوازي مع ذلك، لا تقتصر المخاوف الأمنية على غزة وحدها، إذ تتصاعد التوترات في الضفة الغربية مع اقتراب الأعياد اليهودية، وسط توقعات بأن تشهد المنطقة موجة تصعيد جديدة في ظل النقاش المرتقب داخل الأمم المتحدة بشأن الدولة الفلسطينية. هذه التطورات دفعت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى رفع مستوى الاستعداد والجاهزية، تحسبًا لاحتمال اندلاع مواجهات أو احتجاجات واسعة قد تفتح جبهة موازية تربك خططها العسكرية.
المشهد بمجمله يعكس تعقيدًا متشابكًا؛ فإسرائيل تستعد لمعركة حضرية طويلة قد تحول مدينة غزة إلى ميدان حرب مفتوحة على مدى شهور، فيما يواجه المدنيون مصيرًا قاسيًا بين النزوح القسري أو البقاء تحت القصف والاقتحامات البرية. وبين الحسابات العسكرية والأهداف السياسية، يظل الثمن الأكبر يُدفع من أرواح السكان وبنية المدينة التي تقف اليوم على حافة دمار شامل.






