التصريحات الأممية الأخيرة تعكس صورة قاتمة للوضع الإنساني في قطاع غزة، الذي يشهد تدهوراً حاداً وغير مسبوق في مختلف القطاعات الحيوية، وعلى رأسها القطاع الصحي والأوضاع المعيشية للسكان. فالمستشفيات، وعلى الرغم من محدودية إمكاناتها ونقص التجهيزات، تغص بالمرضى والمصابين الذين يصل كثير منهم من مناطق توزيع المساعدات أو على طول طرق القوافل الإنسانية، ما يوضح حجم المخاطر التي يواجهها المدنيون في سعيهم لتأمين الغذاء أو العلاج.
مشاهد صادمة
أولجا تشيريفكو، المسؤولة في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، وصفت المشاهد داخل مجمع ناصر الطبي بخان يونس بأنها صادمة، حيث الممرات ممتلئة بالمصابين وحالات سوء التغذية، بما في ذلك البالغون الذين بدوا نحيلين وضعفاء إلى حد كبير. شهادتها تبرز أن المدنيين لم يعد أمامهم أي خيار سوى المخاطرة بحياتهم للحصول على أبسط مقومات العيش، الأمر الذي يحوّل البحث عن الطعام من مهمة يومية إلى مواجهة قاتلة. وتشير تصريحاتها إلى أن وقف إطلاق النار بشكل دائم أصبح شرطاً حتمياً لوقف الانهيار الإنساني، بعد وصول الأزمة إلى مستوى كارثي لم تشهده غزة من قبل.
وفي السياق نفسه، كشف أكيهيرو سيتا، مدير الصحة في وكالة الأونروا، عن أزمة غذائية نوعية تهدد حياة الأطفال، خاصة مرضى السكري من النوع الأول، في ظل انعدام شبه كامل للسكر والفواكه والمنتجات السكرية، وارتفاع أسعار ما يتوفر منها إلى مستويات فلكية وصلت إلى نحو 100 دولار للكيلوجرام. هذا النقص يحرم هؤلاء الأطفال من العلاج الأساسي لهبوط السكر في الدم، ما يجعل حالاتهم عرضة لمضاعفات قاتلة. كما أن نفاد الأغذية العلاجية المخصصة لمكافحة سوء التغذية، سواء بسبب استهلاكها أو تعرضها للنهب، يفاقم الأزمة الصحية ويترك الفئات الأكثر ضعفاً في مواجهة مباشرة مع الموت.
دائرة مغلقة من المعاناة والموت
البعد الإنساني للأزمة يتداخل مع البعد الحقوقي، حيث أدان مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مقتل ستة صحفيين فلسطينيين، من بينهم الشاب أنس الشريف، في استهداف مباشر لخيمتهم من قبل القوات الإسرائيلية، واعتبر الحادث انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني. وأكد المكتب على ضرورة احترام وحماية المدنيين، بمن فيهم الصحفيون، وضمان وصول وسائل الإعلام إلى غزة دون عوائق، في وقت تشير فيه الإحصاءات الأممية إلى مقتل ما لا يقل عن 242 صحفياً فلسطينياً منذ أكتوبر 2023.
هذه المعطيات مجتمعة تعكس انهياراً شاملاً في المنظومة الإنسانية داخل غزة، حيث يتداخل نقص الغذاء والدواء مع استمرار العمليات العسكرية، ما يخلق دائرة مغلقة من المعاناة والموت. المؤشرات الواردة من المؤسسات الأممية تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية ملحّة للتدخل، ليس فقط عبر الإغاثة العاجلة، بل عبر الضغط الفعلي لوقف إطلاق النار وفتح ممرات إنسانية آمنة، وإلا فإن الكارثة مرشحة للتصاعد إلى مستويات أشد قسوة، مع ما يحمله ذلك من تبعات طويلة الأمد على الأجيال المقبلة في القطاع.






