دخلت سوريا مرحلة سياسية جديدة بإكمال تشكيل أول برلمان انتقالي منذ سقوط نظام بشار الأسد، بعد إعلان الرئيس أحمد الشرع تعيين الثلث الأخير من أعضاء المجلس، ليكتمل بذلك تشكيل هيئة تشريعية يُعوّل عليها في قيادة المرحلة الانتقالية وصياغة دستور جديد للبلاد.
ورغم أن الخطوة تُعد محطة مفصلية في إعادة بناء مؤسسات الدولة، فإنها أثارت في الوقت نفسه نقاشًا واسعًا حول مدى تمثيل البرلمان الجديد لمختلف القوى السياسية والاجتماعية، وحجم الصلاحيات التي سيملكها في ظل تركّز السلطة التنفيذية بيد الرئيس.
برلمان لمرحلة انتقالية
يتألف المجلس من 210 أعضاء، تمتد ولايته لعامين ونصف، على أن تكون أبرز مهامه إعداد دستور جديد يمهد لمرحلة الانتخابات العامة مع انتهاء الفترة الانتقالية التي حددها الإعلان الدستوري بخمس سنوات.
ومن المقرر أن يعقد البرلمان أولى جلساته في السادس من يوليو، إيذانًا ببدء أول تجربة تشريعية في سوريا ما بعد الأسد، بعد عقود كان خلالها مجلس الشعب يوصف بأنه مؤسسة محدودة التأثير في صناعة القرار.
تشكيلة تجمع وجوهًا جديدة وأخرى من المعارضة
ضمت التعيينات الأخيرة 70 عضوًا، بينهم 15 امرأة، إضافة إلى شخصيات سياسية وأكاديمية وإعلامية، فضلاً عن معارضين سابقين للنظام وعدد من المعتقلين الذين أمضوا سنوات في سجون النظام السابق.
وتقول السلطات إن هذه التشكيلة تعكس محاولة لإشراك شرائح مختلفة من المجتمع في إدارة المرحلة الانتقالية، بينما يرى منتقدون أن آلية الاختيار بقيت محصورة في التعيين أكثر من اعتمادها على التمثيل الشعبي المباشر.
انتقادات لآلية التشكيل
رغم الترحيب الذي أبدته الأمم المتحدة باعتبار تشكيل البرلمان خطوة في مسار الانتقال السياسي، فإن منظمات مجتمع مدني سورية أثارت تساؤلات بشأن آلية اختيار الأعضاء، معتبرة أن تركيز صلاحيات التعيين بيد الرئيس يحد من استقلالية المؤسسة التشريعية.
كما أشارت تلك المنظمات إلى ضعف تمثيل بعض المكونات القومية والدينية، إضافة إلى محدودية مشاركة النساء مقارنة بحجم حضورهن في المجتمع السوري.
في المقابل، تؤكد السلطات السورية أن طبيعة المرحلة الانتقالية والظروف الأمنية والسياسية التي تمر بها البلاد فرضت اعتماد نظام التعيين بدلاً من الانتخابات المباشرة، خاصة مع استمرار وجود ملايين السوريين خارج البلاد.
مناطق خارج العملية السياسية
لم تشمل عملية تشكيل البرلمان جميع المناطق السورية بصورة متساوية، إذ لم تشارك بعض المناطق الكردية في شمال شرقي البلاد ومحافظة السويداء في المراحل الأولى من العملية.
ورغم تعيين عدد محدود من ممثلي هذه المناطق لاحقًا، فإن قوى سياسية كردية انتقدت آلية الاختيار، معتبرة أنها لا تعكس الإرادة السياسية للسكان ولا تمنحهم تمثيلًا يتناسب مع حجمهم.
أما في السويداء، فما تزال عملية استكمال التمثيل مرتبطة بالأوضاع الأمنية، وفق ما أعلنته المفوضية العليا للانتخابات.
اختبار يتجاوز تشكيل البرلمان
يمثل اكتمال تشكيل البرلمان بداية مرحلة جديدة أكثر منه نهاية للمرحلة الانتقالية، إذ ستقاس فاعلية المجلس بقدرته على أداء دوره التشريعي، وإعداد دستور يحظى بقبول واسع، والمساهمة في بناء مؤسسات قادرة على إدارة مرحلة ما بعد الحرب.
وفي المقابل، ستظل قدرة البرلمان على ترسيخ الحياة السياسية مرهونة بمدى استقلاله، واتساع قاعدة المشاركة في مؤسسات الدولة، وتحويل المرحلة الانتقالية من إطار مؤقت إلى مسار يقود نحو نظام سياسي أكثر استقرارًا وتمثيلًا.






