يواجه الاقتصاد المصري اختبارًا جديدًا مع عودة التضخم إلى الارتفاع، في وقت يضغط فيه صندوق النقد الدولي باتجاه سياسة نقدية أكثر تشددًا. وبينما قد يساعد رفع أسعار الفائدة في كبح توقعات الأسعار، تخشى القاهرة أن يؤدي ذلك إلى زيادة كلفة الاقتراض وإضعاف الاستثمار والنمو، فضلًا عن ارتفاع أعباء خدمة الدين العام.
دخلت السياسة النقدية المصرية مرحلة جديدة من التعقيد، بعدما أعاد صندوق النقد الدولي ملف أسعار الفائدة إلى الواجهة، بالتزامن مع عودة الضغوط التضخمية بعد أشهر من التراجع.
وفي وثائق مرتبطة بالمراجعة السابعة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري، رأى الصندوق أن المجال المتاح أمام البنك المركزي لمواصلة خفض أسعار الفائدة أصبح أكثر ضيقًا، وأن تشديد السياسة النقدية قد يكون ضروريًا للسيطرة على التضخم وإعادة تثبيت توقعات الأسعار.
وتأتي توصية الصندوق في وقت ارتفع فيه التضخم السنوي إلى 14.9% في يوليو/تموز، بعد ثلاثة أشهر متتالية من التراجع، وسط توقعات بأن يقترب من 17% في سبتمبر/أيلول، بفعل ارتفاع تكاليف الإنتاج وتعديلات أسعار الطاقة.
التضخم يعود إلى الواجهة
كان مسار التضخم خلال الأشهر الماضية يمنح البنك المركزي مساحة للتحرك باتجاه خفض الفائدة، لكن عودة الأسعار إلى الارتفاع أعادت الحسابات إلى نقطة أكثر تعقيدًا.
ويرى صندوق النقد أن أسعار الفائدة الحقيقية أصبحت أقل من المستوى الذي يمكن اعتباره محايدًا، في وقت ابتعد فيه التضخم عن المستويات المستهدفة.
كما لا تزال توقعات التضخم على المدى القصير مرتفعة، وهو ما يزيد مخاوف البنك المركزي من تحول الارتفاع الحالي في الأسعار إلى موجة أكثر استمرارًا إذا لم تتم مواجهته بسياسة نقدية أكثر تشددًا.
وبالنسبة للصندوق، فإن الهدف لا يقتصر على خفض معدل التضخم الحالي، وإنما منع ترسخ توقعات ارتفاع الأسعار لدى الشركات والمستهلكين.
القاهرة خفضت الفائدة.. لكن إلى أين؟
تأتي هذه الضغوط بعد دورة واسعة من خفض أسعار الفائدة.
فقد خفض البنك المركزي المصري أسعار الفائدة بإجمالي 8.25 نقاط مئوية خلال عام 2025، قبل أن يجري خفضًا آخر بمقدار نقطة مئوية واحدة في فبراير/شباط 2026.
ومنذ أبريل/نيسان، توقفت دورة التيسير النقدي.
وهذا يعني أن العودة إلى رفع الفائدة ستكون تحولًا واضحًا في اتجاه السياسة النقدية، خصوصًا أن أسعار الفائدة لا تزال مرتفعة أصلًا مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة التضخمية.
سلاح الفائدة قد يواجه الاقتصاد نفسه
المشكلة بالنسبة للقاهرة أن أسعار الفائدة لا تضرب التضخم وحده.
فرفع تكلفة الاقتراض يعني أن الشركات ستدفع أكثر لتمويل توسعاتها ومشروعاتها، كما تصبح القروض أكثر تكلفة بالنسبة إلى الأسر، الأمر الذي يمكن أن يضغط على الاستهلاك والاستثمار في وقت تسعى فيه الحكومة إلى دعم النشاط الاقتصادي.
وتزداد حساسية المسألة بالنسبة للدولة المصرية بسبب حجم احتياجاتها التمويلية.
فكل ارتفاع في أسعار الفائدة يعني أيضًا زيادة تكلفة الاقتراض الحكومي، وبالتالي ارتفاع أعباء خدمة الدين وتراجع المساحة المتاحة أمام الموازنة لتمويل الإنفاق والاستثمار.
وهنا تجد القاهرة نفسها أمام معادلة صعبة: تشديد السياسة النقدية قد يساعد في كبح التضخم، لكنه في الوقت نفسه قد يزيد الضغوط على النمو والمالية العامة.
هل التضخم مؤقت أم بداية موجة جديدة؟
لا يعني ارتفاع التضخم بالضرورة أن البنك المركزي سيستجيب برفع أسعار الفائدة في اجتماعه المقبل.
فالقرار يعتمد بدرجة كبيرة على طبيعة الارتفاع الحالي.
إذا كان السبب الرئيسي مرتبطًا بتعديلات مؤقتة في أسعار الطاقة وتكاليف الإنتاج، فقد يرى البنك المركزي أن الانتظار ومراقبة البيانات أفضل من اللجوء إلى رفع جديد للفائدة.
أما إذا أظهرت البيانات أن الارتفاع بدأ ينتقل إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد وأن توقعات التضخم آخذة في الارتفاع، فإن إبقاء السياسة النقدية على وضعها الحالي قد يصبح أكثر صعوبة.
وبعبارة أخرى، السؤال بالنسبة للبنك المركزي ليس فقط: كم بلغ التضخم؟ بل لماذا ارتفع وإلى أين يتجه؟
الطاقة تزيد تعقيد الحسابات
وتشكل أسعار الطاقة أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة للاقتصاد المصري.
فأي ارتفاع مستمر في أسعار النفط يمكن أن يرفع تكاليف النقل والإنتاج ويضغط على أسعار السلع والخدمات، في وقت تحاول فيه الحكومة السيطرة على التضخم وتحسين أوضاعها المالية والخارجية.
وهذا النوع من التضخم يمثل تحديًا خاصًا للبنك المركزي، لأن أسعار الفائدة تستطيع التأثير في الطلب المحلي، لكنها لا تستطيع بصورة مباشرة خفض أسعار النفط أو تكاليف الطاقة المستوردة.
ومن ثم، فإن استخدام الفائدة لمواجهة صدمة تأتي من جانب العرض قد تكون له كلفة اقتصادية مرتفعة دون أن يعالج أصل المشكلة.
صندوق النقد يريد سياسة أكثر تشددًا
وتكشف توصية صندوق النقد عن أولوية واضحة: الحفاظ على استقرار الأسعار ومنع عودة التضخم إلى مسار تصاعدي.
لكن تنفيذ هذه التوصية يبقى من مسؤولية البنك المركزي المصري، الذي سيضطر إلى موازنة ضغوط الصندوق مع احتياجات الاقتصاد المحلي.
فرفع الفائدة قد يعزز الثقة في العملة ويساعد على كبح توقعات التضخم، لكنه في المقابل قد يضغط على الائتمان والاستثمار ويزيد كلفة تمويل الدولة.
أما الإبقاء على الفائدة دون تغيير، فقد يمنح الاقتصاد بعض المساحة للحركة، لكنه يحمل خطر السماح للضغوط التضخمية بالاستمرار إذا اتضح أنها ليست مؤقتة.
اختبار صعب في الأشهر المقبلة
تدخل مصر بذلك مرحلة دقيقة من برنامجها الاقتصادي.
فبعد دورة قوية من خفض أسعار الفائدة، عادت الضغوط التضخمية لتضيق هامش المناورة أمام البنك المركزي، بينما لا تزال الحكومة بحاجة إلى تمويل الاقتصاد والحفاظ على النمو وتخفيف أعباء المعيشة.
ولهذا، فإن المعركة المقبلة لن تكون حول رفع الفائدة أو خفضها فقط، وإنما حول قدرة السياسة النقدية على تحقيق توازن بين هدفين متعارضين نسبيًا: كبح التضخم من جهة، وعدم دفع الاقتصاد المثقل بالديون إلى تباطؤ أكبر من جهة أخرى.
والاختبار الحقيقي أمام القاهرة هو ما إذا كان ارتفاع الأسعار موجة عابرة يمكن احتواؤها دون تشديد جديد، أم بداية دورة تضخمية ستجبر البنك المركزي على إعادة رفع الفائدة رغم كلفتها الاقتصادية.






