يدخل اليمن مجدداً مرحلة موسمية قاسية مع اقتراب الشتاء، حيث تتفاقم أوضاع ملايين النازحين الذين يجدون أنفسهم كل عام أمام مأساة متكررة: خيام مهترئة، نقص في الغذاء والدواء، وبرودة تقطع الأنفاس. وبينما يستعد اليمنيون لموجة برد أشد من المعتاد وفق توقعات الأرصاد، يجد مئات الآلاف من النازحين أنفسهم في مواجهة شتاء لا يرحم، مدفوعين من جديد إلى حافة الخطر بسبب غياب المأوى الملائم وانعدام شروط الحياة الأساسية. تتداخل هذه المأساة مع تعقيدات المشهد السياسي، الذي جعل النازحين الحلقة الأضعف والأكثر تضرراً من استمرار الصراع وتمزق البنية المؤسسية للدولة.
فجوة تمويلية ضخمة
أول مظاهر الأزمة يتمثل في التغيرات المناخية والظروف الجوية القاسية التي تضرب اليمن سنوياً، ويبدو أن شتاء هذا العام سيكون أكثر قسوة مما سبقه. فبحسب خبراء الأرصاد، تشهد البلاد موجة برد باردة وغير معتادة في منتصف الخريف، مرشحة للتصاعد في الأسابيع المقبلة، خصوصاً في المرتفعات الشمالية والوسطى مثل صعدة وعمران وصنعاء وذمار والبيضاء. هذا الانخفاض الحاد يشكل تهديداً مباشراً للأطفال وكبار السن والمرضى الذين يعيشون في مخيمات لا تتوفر فيها أدنى شروط الحماية. الخيام المهترئة، التي بالكاد تحمي من حرارة الصيف، تصبح بلا قيمة أمام حرارة منخفضة قد تصل إلى درجات التجمد في بعض المناطق. ويتضرر أيضاً القطاع الزراعي الذي يعتمد عليه آلاف اليمنيين، ما يزيد من انعدام الأمن الغذائي ويعمّق معاناة السكان.
ورغم هذا الواقع القاسي، تعاني مخيمات النازحين في اليمن من فجوة تمويلية ضخمة تمنع توفير المستلزمات الشتوية الأساسية. فقد أعلنت «كتلة المأوى» الأممية أنها تحتاج إلى 7 ملايين دولار لتوفير احتياجات الشتاء لـ217 ألف نازح وعائد وفق تقييمها، في حين لم تحصل سوى على 5 في المائة من هذا التمويل. وبذلك يبقى نحو 642 ألف نازح بحاجة إلى المساعدة الشتوية في 45 مديرية، بينهم أكثر من نصف مليون معرضين لدرجات التجمد. وفي ظل هذه الفجوة، تتضاعف المخاطر على 31 ألف عائلة تعيش في مناطق ذات برودة شديدة، وتفتقر إلى البطانيات ووسائل التدفئة والعوازل الحرارية.
التدهور المعيشي والانهيار الاقتصادي
وتعكس هذه الأرقام حجم المأساة التي يعيشها النازحون كل عام، حيث لا تختلف معاناتهم بين الصيف والشتاء. فصيف اليمن الحار يضغط على المخيمات التي تفتقر إلى التهوية، وشتاؤه البارد يزيد من خطر الوفاة، خصوصاً للأطفال وكبار السن. تقارير الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في مأرب تشير بوضوح إلى أوضاع مأساوية يعيشها النازحون: خيام بلا أغطية، أسر بلا مدافئ، ومأوى لا يمنع تسرب المياه والبرد. وقد شهدت السنوات الماضية حالات وفاة موثقة بسبب البرد الشديد، ما يجعل التحرك العاجل أمراً ملحاً وليس خياراً تطوعياً.
غير أن مأساة النازحين لا تقتصر على المناخ وحده، بل تتشابك مع التدهور المعيشي والانهيار الاقتصادي المرتبط باستمرار الأزمة السياسية والعسكرية. فوفق مبادرة تصنيف المراحل المتكاملة للأمن الغذائي (IPC)، يواجه 18.1 مليون يمني مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي بين أكتوبر وفبراير المقبلين، فيما يواجه 41 ألف شخص خطر الدخول في المرحلة الخامسة (مرحلة المجاعة)، وأكثر من 5.5 مليون في مرحلة الطوارئ. هذه المؤشرات تبرز تأثير الصراع على الاقتصاد، حيث أدى انهيار العملة وتراجع الدخل وإغلاق الطرق وتعطل النشاط التجاري إلى خلق بيئة معيشية خانقة تدفع بالمزيد من الأسر إلى الاعتماد الكامل على المساعدات الإنسانية.
تداعيات الصراع السياسي والعسكري
يمثل هذا الوضع انعكاساً مباشراً لتداعيات الصراع السياسي والعسكري في اليمن، الذي مزّق المؤسسات الحكومية وأضعف قدرتها على توفير الخدمات الأساسية أو حتى الاستجابة للكوارث الموسمية. فغياب سلطة مركزية قادرة على إدارة ملف النازحين وتنسيق الجهود الإنسانية يجعل المنظمات الدولية والجهات المحلية تعمل في ظروف بالغة التعقيد. الصراع أدى إلى نشوء سلطات متنافسة، ما يشتت الموارد ويعرقل وصول المساعدات ويخلق عراقيل بيروقراطية تحول دون تنفيذ برامج الإغاثة بشكل فعال. كما أن بعض المناطق تعاني من قيود أمنية تمنع المنظمات من الوصول إليها، خصوصاً في المحافظات التي تشهد مواجهات أو توترات مسلحة.
والأخطر أن النازحين أصبحوا ورقة تُستخدم أحياناً في الصراع السياسي، سواء عبر التحكم في أماكن توطينهم أو في حركة المساعدات المقدمة لهم. هذا الواقع يزيد من هشاشتهم ويجعلهم يعيشون في ظل خوف دائم من الانتقال القسري أو قطع الدعم. كما يُظهر ضعف الحماية القانونية لهؤلاء النازحين، رغم أن القانون الدولي الإنساني ينص على ضمان حقوقهم الأساسية.
وفي ظل استمرار القتال وعدم وجود تسوية سياسية شاملة، تستمر موجات النزوح عاماً بعد عام، ما يفاقم الضغط على مناطق الاستقبال مثل مأرب وتعز والحديدة والجوف. هذه المحافظات تستقبل مئات الآلاف من الأسر الهاربة من المواجهات أو من المناطق التي تعاني من الجوع وانعدام الأمن. ومع تكرار النزوح، تستهلك الأسر النازحة مدخراتها المحدودة، بينما تستنزف المجتمعات المضيفة قدراتها على توفير الدعم، سواء على مستوى الخدمات أو الموارد الغذائية.
غياب الحل السياسي
من جانب آخر، تتداخل البُعد الإنساني للأزمة مع التغيرات المناخية التي باتت عاملاً إضافياً يزيد من هشاشة اليمنيين. فالصقيع الشديد يتسبب كل عام في تلف المحاصيل، ما ينعكس فوراً على أسعار الغذاء، ويزيد من اعتماد السكان على المساعدات. ومع أن الزراعة تشكل مصدر رزق رئيسي لملايين اليمنيين، فإنها لا تحظى بأي دعم فعّال، وتعرضها للصدمات المناخية يجعل الأمن الغذائي رهينة للعوامل الجوية. وفي ظل شتاء هذا العام الذي قد يكون مشابهاً للعام الفائت، تتوقع المنظمات أن ترتفع معدلات الأمراض المرتبطة بالبرد، خصوصاً التهابات الجهاز التنفسي، رغم ضعف البنية الصحية التي تعاني من نقص الأدوية والمعدات.
من هنا، يتضح أن مأساة النازحين في اليمن ليست نتيجة ظرف طبيعي طارئ، بل هي حصيلة تراكمات سياسية ومؤسسية واقتصادية صنعها الصراع وأدت إلى انهيار منظومة الحماية الاجتماعية، وأفرزت واقعاً إنسانياً هشاً. فغياب الحل السياسي يجعل أي تدخل إنساني مجرد معالجة مؤقتة للأعراض، بينما تبقى الأسباب الجذرية مستمرة. ومهما حاولت المنظمات الدولية سد الفجوات، فإن الاحتياجات تتسع عاماً بعد عام، والقدرة التمويلية تتراجع، ما يضع ملايين اليمنيين أمام كارثة لا يمكن تفاديها دون وقف النزاع ومعالجة أسبابه.
حجم الانهيار الإنساني
وتبرز الحاجة في الوقت الراهن إلى جهود مضاعفة تستهدف توفير المأوى العاجل والأغطية والبطانيات ووسائل التدفئة، وتحسين البنية المؤقتة للمخيمات عبر العزل الحراري، إضافة إلى تقديم مساعدات نقدية مرنة تمكّن الأسر من شراء احتياجاتها بحسب ظروفها. كما أن توسيع نطاق الوصول الإنساني في جميع المحافظات يظل شرطاً أساسياً لإنقاذ الأرواح خلال فصل الشتاء.
تمثل مأساة النازحين في الشتاء صورة مكثفة عن حجم الانهيار الإنساني في اليمن، حيث يمتزج البرد القارس بالجوع، ويجتمع انعدام الأمن بالمخاطر الصحية، في ظل صراع سياسي لم يترك للأسر النازحة سوى العيش على حافة النجاة. ومادام النزاع قائماً، ستبقى هذه الفئات الأكثر هشاشة هي الضحية الأولى لشتاء يزداد قسوة عاماً بعد عام، ولفصول سياسية لا تزال بعيدة عن أي حل ينهي معاناتهم ويفتح باب التعافي الحقيقي.






