مع دخول الصراع يومه الثالث واتساع نطاق الضربات المتبادلة، تلقّت الأسواق العالمية، الاثنين 2 مارس/آذار، صدمة جديدة قادمة من الشرق الأوسط. فقد قفزت أسعار الطاقة، وارتفعت عوائد السندات، وتراجعت البورصات الأوروبية بحدة، فيما بدت وول ستريت أكثر تماسكاً.
القلق لم يقتصر على البعد العسكري، بل تمدّد إلى المخاوف من تعطّل الإمدادات، وعودة الضغوط التضخمية، وتشدد السياسات النقدية في لحظة كان فيها المستثمرون يراهنون على استقرار نسبي في الأسعار خلال 2026.
الغاز في الواجهة: أوروبا أمام هشاشة الإمدادات
كانت سوق الغاز الأوروبي الأكثر تأثراً. فقد قفز عقد الغاز الهولندي المرجعي (TTF) بنسبة 39.26% ليصل إلى 44.51 يورو لكل ميغاواط/ساعة، بعدما سجّل خلال الجلسة ارتفاعات تجاوزت 50%.
التحرك الحاد جاء عقب إعلان شركة “قطر للطاقة” وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال مؤقتاً إثر هجوم بطائرة مسيّرة، في تطور غذّى المخاوف من اضطرابات واسعة في تدفقات الطاقة نحو القارة الأوروبية، التي تعتمد بشكل كبير على الواردات، خصوصاً مع تراجع المخزونات بعد نهاية الشتاء.
في موازاة ذلك، ارتفع خام برنت بنسبة 7.26% إلى 77.74 دولاراً للبرميل، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط 6.28% ليغلق عند 71.23 دولاراً. ويخشى المتعاملون من تعطل الملاحة في مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، بعد تهديدات إيرانية باستهداف أي سفينة تعبر الممر.
التحليل:
أسعار الطاقة تمثل الحلقة الأسرع انتقالاً للأزمات الجيوسياسية إلى الاقتصاد الحقيقي. أي اضطراب مستمر في الغاز أو النفط قد يعيد إحياء موجة تضخمية في أوروبا تحديداً، ما يضع البنك المركزي الأوروبي أمام معادلة معقدة بين دعم النمو وكبح الأسعار.
بورصات أوروبا تحت الضغط… وهدوء نسبي في نيويورك
انعكس ارتفاع الطاقة سريعاً على الأسهم الأوروبية.
باريس تراجعت 2.17%
فرانكفورت خسرت 2.56%
لندن انخفضت 1.20%
ميلانو تراجعت 1.97%
ورغم حدة التحركات، رأى محللون أن رد الفعل بقي “أقل من المتوقع” قياساً بحجم الارتفاع في أسعار الغاز.
في المقابل، بدت وول ستريت أكثر تماسكا:
داو جونز تراجع 0.15%
ناسداك ارتفع 0.36%
ستاندرد آند بورز 500 استقر تقريباً (+0.04%)
لماذا هذا التباين؟
الاقتصاد الأميركي يتمتع حالياً بمرونة أكبر في ملف الطاقة، بعدما تحولت الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة إلى مُصدّر صافٍ للمنتجات البترولية. هذا يمنح الشركات الأميركية هامش حماية نسبياً مقارنة بأوروبا الأكثر اعتماداً على الواردات.
سوق السندات: عودة التوتر إلى عوائد الديون
لم تكن الأسهم وحدها المتضررة. فقد ارتفعت عوائد السندات السيادية، في إشارة إلى قلق الأسواق من عودة الضغوط التضخمية:
عائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات صعد إلى 4.03%
السندات الألمانية المماثلة بلغت 2.72%
الفرنسية 3.30%
البريطانية 4.37%
عادةً ما تُعد السندات ملاذاً آمناً في أوقات الاضطراب، لكن هذه المرة فضّل المستثمرون الدولار، الذي ارتفع 1.03% مقابل اليورو. كما صعد الذهب بنسبة 0.83% ليبلغ 5322.80 دولاراً للأونصة.
قراءة في المشهد:
ارتفاع العوائد يعني أن الأسواق تتوقع بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، أو على الأقل تأجيل أي خفض محتمل. فإذا استمرت أسعار الطاقة في الصعود، قد تجد البنوك المركزية نفسها مضطرة إلى التشدد النقدي مجدداً، ما يضغط على النمو.
هل نحن أمام أزمة قصيرة أم موجة ممتدة؟
التحركات الحالية تعكس “تسعيراً فورياً للمخاطر”، لكن المسار الفعلي سيعتمد على عاملين رئيسيين:
مدى اتساع رقعة الصراع جغرافياً
مدة تعطّل إمدادات الطاقة
إذا بقي التصعيد محدوداً زمنياً، قد تستعيد الأسواق توازنها سريعاً. أما إذا طال أمده أو مسّ فعلياً صادرات النفط والغاز، فقد تدخل أوروبا في مرحلة ضغوط اقتصادية مزدوجة: طاقة مرتفعة ونمو متباطئ.
في المحصلة، تعيد الحرب اختبار قدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص الصدمات الجيوسياسية. وبينما أظهرت الأسواق الأميركية قدراً من المناعة، تبدو أوروبا مجدداً في موقع الأكثر تعرضاً لأي اضطراب طويل في أسواق الطاقة.




