في وقت تتواصل فيه الحرب الروسية الأوكرانية وتتصاعد التوترات الجيوسياسية على الساحة الدولية، تتزايد التساؤلات حول موقع أوروبا في معادلة الصراع العالمي الجديد، خصوصاً في ظل ما تواجهه من هجمات هجينة وحملات تأثير سياسي وإعلامي متواصلة.
وفي هذا السياق، يرى المؤرخ الفرنسي ومؤسس منتدى باريس للسلام، جاستن فايس، أن أوروبا تعيش اليوم مرحلة يمكن وصفها بـ”اللا سلم”، حيث لم تعد القارة بعيدة عن تداعيات النزاعات الدولية، رغم أنها لا تشارك بشكل مباشر في معظم ساحات المواجهة العسكرية.
جاءت تصريحات فايس خلال مقابلة ضمن سلسلة “مواجهة الحرب وانتصار السلام”، التي تتناول التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه العالم في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا.
قوى كبرى تتعامل مع أوروبا من زوايا مختلفة
وعند سؤاله عما إذا كانت أوروبا أصبحت عدواً لروسيا والولايات المتحدة والصين، وهي الدول التي توصف أحياناً بأنها “قوى مفترسة” في النظام الدولي الحالي، يؤكد فايس أن النظرة إلى أوروبا تختلف من عاصمة إلى أخرى.
ففي الولايات المتحدة، لا يتعلق الأمر بعداء مباشر تجاه أوروبا بقدر ما يرتبط بصراع سياسي داخلي متواصل. ويشير إلى أن التيار المرتبط بحركة “ماغا” التي يتزعمها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ينظر إلى أوروبا باعتبارها ساحة مهمة في معركته الأيديولوجية مع القوى السياسية التقليدية داخل الولايات المتحدة وخارجها.
اليمين الشعبوي الأوروبي في قلب الحسابات الأمريكية
ويضيف فايس أن بعض الأوساط المحافظة الأمريكية تسعى إلى تعزيز نفوذ الأحزاب اليمينية الشعبوية في أوروبا، معتبرة أن صعودها يشكل امتداداً لرؤيتها السياسية العابرة للحدود.
ومن هذا المنطلق، اعتُبرت أي انتكاسة انتخابية لحلفاء هذا التيار داخل أوروبا بمثابة خسارة سياسية للمعسكر الترامبي نفسه. ويستشهد فايس بالحالة المجرية، حيث شكل تراجع نفوذ رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان ضربة معنوية لحلفائه في الولايات المتحدة.
موسكو ترى في أوروبا الموحدة تهديداً استراتيجياً
أما بالنسبة لروسيا، فيرى المؤرخ الفرنسي أن القلق الروسي لا ينبع من القوة العسكرية الأوروبية الحالية بقدر ما يرتبط بإمكانية ظهور أوروبا أكثر وحدة واستقلالية وقدرة على حماية مصالحها الاستراتيجية.
ويؤكد أن “الخطر الذي تخشاه موسكو ليس أوروبا الضعيفة والمنقسمة، بل أوروبا التي تستطيع الدفاع عن نفسها”، مشيراً إلى أن الحرب في أوكرانيا دفعت العديد من الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها الدفاعي وتعزيز التعاون الأمني والعسكري فيما بينها.
الصين ومنافسة النفوذ الاقتصادي
وعلى الجانب الصيني، تختلف طبيعة العلاقة مع أوروبا، إذ تتركز المنافسة بشكل أكبر حول الملفات الاقتصادية والتكنولوجية والتجارية. فبكين تنظر إلى القارة الأوروبية باعتبارها شريكاً اقتصادياً مهماً، لكنها في الوقت نفسه منافساً مؤثراً في رسم قواعد التجارة العالمية والتكنولوجيا المتقدمة.
مرحلة جديدة من “اللا سلم”
ويخلص فايس إلى أن أوروبا دخلت مرحلة جديدة تتجاوز المفاهيم التقليدية للحرب والسلام. فالقارة تواجه اليوم مزيجاً من التهديدات العسكرية والسيبرانية والإعلامية والاقتصادية، ما يجعلها في حالة “لا سلم ولا حرب” بشكل دائم.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن مستقبل الأمن الأوروبي سيعتمد إلى حد كبير على قدرة دول القارة على بناء منظومة دفاعية أكثر استقلالاً وفاعلية، في عالم يتجه نحو مزيد من الاستقطاب والتنافس بين القوى الكبرى.




