طرح مسؤول رفيع في الحرس الثوري الإيراني احتمال استمرار الحرب مع الولايات المتحدة لسنوات، وصولًا إلى نهاية ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب عام 2029، في إطار ما وصفه باستراتيجية تهدف إلى استنزاف واشنطن وبناء قدرة ردع تمنع تكرار أي هجوم على إيران.
وقال محمد رضا نقدي، المستشار الأول لقائد الحرس الثوري، في مقابلة مع شبكة PBS الأميركية، إن طهران قد تنظر في إطالة أمد الصراع باعتبارها إحدى الوسائل لإجبار الولايات المتحدة على دفع كلفة مرتفعة للحرب.
وأضاف أن الهدف الإيراني، وفق تصوره، هو الوصول إلى مرحلة «لا يجرؤ فيها العدو على مهاجمتنا مرة أخرى».
حرب طويلة بدلًا من حسم سريع
وبحسب نقدي، فإن أحد الخيارات التي يمكن أن تدرسها إيران هو استمرار القتال حتى انتهاء الولاية الرئاسية الحالية في الولايات المتحدة.
ويقوم هذا التصور، وفق المسؤول الإيراني، على تحويل الحرب من مواجهة عسكرية قصيرة إلى حرب استنزاف طويلة، بحيث ترتفع كلفتها على واشنطن تدريجيًا، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا.
وقال نقدي إن إيران تريد استخدام الحرب الحالية لاختبار قدرتها على مواجهة الولايات المتحدة، معتبرًا أن الأشهر الماضية من القتال منحت القوات الإيرانية خبرة مباشرة في التعامل مع الجيش الأميركي.
وأضاف: «خلال هذه الأشهر الخمسة، تعلمنا كيفية محاربة أميركا».
وتعكس هذه التصريحات، إذا استمرت طهران في تبنيها، تصورًا مختلفًا عن الحرب التي تقوم على تحقيق نصر عسكري سريع. فالمعادلة التي يطرحها المسؤول الإيراني تقوم على إطالة المواجهة ورفع كلفتها بدل السعي بالضرورة إلى حسمها في وقت قصير.
نقدي: واشنطن تقاتل بلا استراتيجية
هاجم نقدي إدارة ترامب، قائلًا إن الولايات المتحدة تخوض الحرب من دون استراتيجية واضحة، واتهم واشنطن بتغيير أهدافها العسكرية بصورة متكررة.
كما أعلن أن إيران تعتبر نفسها منتصرة في الصراع، وقال إن القدرات العسكرية الأميركية لم تحقق، بحسب تقديره، النتائج التي توقعتها طهران من الحرب.
ولم يقدم المسؤول الإيراني في التصريحات المنشورة تقييمًا مستقلًا أو أرقامًا تفصيلية يمكن من خلالها قياس هذه الادعاءات، التي تأتي في سياق حرب إعلامية وسياسية موازية للعمليات العسكرية.
وتتناقض هذه الرواية بطبيعة الحال مع التقييم الأميركي للعمليات، ما يجعل تصريحات نقدي جزءًا من الرواية الإيرانية للحرب أكثر من كونها تقييمًا محايدًا لنتائجها.
إيران تقول إنها تنتج صواريخ أكثر مما تطلق
وفي الجانب العسكري، رفض نقدي التقديرات التي تتحدث عن احتمال استنزاف سريع للترسانة الصاروخية الإيرانية.
وقال إن إيران تنتج حاليًا صواريخ بوتيرة تفوق معدل استخدامها اليومي، في إشارة إلى أن طهران، بحسب روايته، لا تواجه خطر نفاد مخزونها في المدى القريب.
ويمثل هذا الادعاء نقطة مهمة في الحسابات المتعلقة بقدرة إيران على خوض حرب طويلة، خصوصًا في ظل اعتمادها على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة كوسيلة رئيسية للضغط على القوات والمصالح الأميركية في المنطقة.
لكن من الصعب التحقق بصورة مستقلة من حجم الإنتاج الإيراني الحالي، أو من معدل استهلاك الصواريخ، في ظل القيود المفروضة على الوصول إلى المعلومات العسكرية الإيرانية خلال الحرب.
التهديد لا يتوقف عند الصواريخ
ذهب نقدي إلى أبعد من ذلك، قائلًا إن تراجع المخزون الصاروخي الإيراني، في حال حدوثه، لن يعني انتهاء قدرة طهران على تهديد المصالح الأميركية.
وبحسب المسؤول الإيراني، فإن بلاده تستطيع مواصلة الضغط على المصالح الاقتصادية الأميركية في مناطق مختلفة من العالم حتى في حال تراجع قدرتها الصاروخية.
ولا يوضح التصريح، في حد ذاته، طبيعة الأدوات التي يمكن أن تستخدمها إيران لتحقيق ذلك، لكنه يشير إلى أن طهران تنظر إلى الحرب باعتبارها مواجهة متعددة المجالات، وليست مقتصرة على تبادل الضربات الصاروخية المباشرة.
وهذا يتوافق مع طبيعة القدرات الإيرانية التي تشمل، إلى جانب الصواريخ والطائرات المسيّرة، شبكات إقليمية وأدوات غير تقليدية يمكن استخدامها للضغط على الخصوم.
ماذا يعني تمديد الحرب حتى 2029؟
إذا كانت تصريحات نقدي تعكس بالفعل أحد الخيارات التي تناقشها القيادة الإيرانية، فإنها تعني أن طهران لا تنظر إلى الحرب باعتبارها مواجهة مرتبطة فقط بالعمليات العسكرية الحالية.
فالإشارة إلى عام 2029 تربط الحسابات العسكرية الإيرانية مباشرة بالدورة السياسية الأميركية.
ويفترض هذا السيناريو أن استمرار الحرب يمكن أن يؤدي مع مرور الوقت إلى زيادة الضغوط داخل الولايات المتحدة، سواء بسبب الكلفة المالية والعسكرية، أو بسبب الخسائر البشرية، أو نتيجة اتساع الالتزامات الأميركية في الشرق الأوسط.
لكن نجاح هذه الاستراتيجية يبقى مرتبطًا بعوامل كثيرة، من بينها قدرة إيران نفسها على الحفاظ على مخزوناتها العسكرية، وقدرتها على تمويل الحرب، ومدى استعداد الولايات المتحدة لمواصلة العمليات، إضافة إلى موقف الحلفاء والقوى الإقليمية.
معركة استنزاف متبادلة
وتأتي تصريحات نقدي في وقت تتزايد فيه المؤشرات على أن الحرب أصبحت تتضمن عنصرًا واضحًا من الاستنزاف المتبادل.
فالولايات المتحدة تعتمد على قدرات عسكرية متفوقة، خصوصًا في مجال القوة الجوية والدفاع الصاروخي، لكنها تواجه في المقابل استهلاكًا متزايدًا للذخائر.
أما إيران، فرغم امتلاكها ترسانة صاروخية كبيرة وقدرتها على إنتاج بعض أنواع الصواريخ والطائرات المسيّرة، فإنها تواجه ضغوطًا عسكرية واقتصادية هائلة نتيجة الحرب.
ولهذا فإن قدرة كل طرف على تعويض خسائره وإعادة بناء مخزوناته قد تصبح أكثر أهمية من نتائج الضربات الفردية.
طهران تراهن على عامل الوقت
تكشف تصريحات نقدي عن رهان إيراني واضح على عامل الزمن.
فبدل أن يكون الهدف الأساسي هو إنهاء الحرب بسرعة، يطرح المسؤول الإيراني احتمال استخدام طول أمدها كأداة ضغط على واشنطن، على أمل أن تصبح كلفة استمرارها أعلى من كلفة التراجع عنها.
لكن تحويل هذا التصور إلى استراتيجية قابلة للاستمرار يواجه تحديات كبيرة.
فالحرب الطويلة تستنزف الطرفين، وليس الولايات المتحدة وحدها، كما أن استمرار الضربات يرفع احتمالات التصعيد ويفتح المجال أمام تطورات يصعب التحكم بها.
وبينما يقول نقدي إن إيران تعلمت خلال الأشهر الماضية كيفية مواجهة الولايات المتحدة، يبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كانت طهران قادرة على الحفاظ على هذا النوع من المواجهة لسنوات، وليس لأشهر فقط.






