بينما يخوض «حزب الله» صراعًا مفتوحًا مع إسرائيل على الحدود الجنوبية، تتشكّل جبهة قانونية جديدة داخلية تهدّد قياداته، إذ تتصاعد دعاوى قضائية تطال كبار مسؤوليه، بمن فيهم نائب الأمين العام للحزب، الشيخ نعيم قاسم، بتهم خطيرة من بينها «تعريض أمن اللبنانيين للخطر» و«تخزين أسلحة بين المدنيين».
ورغم أن هذه الدعاوى لم تصل بعد إلى مرحلة المحاكمة، فإن مجرد قبول النيابة العامة لبعضها، يفتح الباب أمام تحرك قضائي غير مسبوق ضد الحزب الذي طالما تمتع بهامش واسع من الحصانة الشعبية والسياسية.
لبنانيون من الجنوب في واجهة المواجهة
اللافت في هذه الجولة القانونية هو هوية مقدّمي الشكاوى؛ فبعضهم لبنانيون جنوبيون مقيمون في الخارج، شعروا بأن وجود مخازن أسلحة بالقرب من منازل عائلاتهم جعلهم عرضة مباشرة للقصف الإسرائيلي، خصوصاً في بلدات مثل كفر كلا وميس الجبل والضاحية الجنوبية.
وتتضمن بعض الشكاوى تفاصيل عن أنفاق حُفرت تحت منازل دون علم أصحابها ومستودعات سلاح داخل أبنية سكنية وتسجيلات صوتية وصور أقمار صناعية يدعي مقدّمو الدعاوى أنها تُثبت النشاط العسكري داخل الأحياء.
مصدر قضائي لبناني أوضح أن «هذه الدعاوى تكتسب أهمية لأنها لا تأتي من خصوم سياسيين، بل من مواطنين تضرروا شخصياً»، مضيفًا: “النيابة العامة تأخذ الإخبارات على محمل الجد إذا احتوت على أدلة ملموسة”.
بين السياسة والقضاء… هل تصل الدعاوى إلى خواتيمها؟
رغم أن تلك الدعاوى تعكس نقمة شعبية صامتة، فإن مراقبين يرون أن تقدمها مرهون بالقرار السياسي، حيث يشكّكون في إمكانية الذهاب بعيدًا في ملاحقة قيادات من «حزب الله» داخل النظام القضائي اللبناني، الذي يعاني في الأصل من الانقسام والتسييس.
الخبير القانوني، المحامي طارق شندب، قال: “من غير الممكن تجاهل القانون، وإذا كان هناك لبنانيون يعتبرون أن حياتهم مهددة بسبب وجود سلاح بين بيوتهم، فمن حقهم اللجوء إلى القضاء”.
الرسائل السياسية خلف الدعاوى
بعض الدعاوى، بحسب مصادر سياسية، تبدو أقرب إلى محاولة لتدويل قضية سلاح الحزب، خصوصاً أن مقدّميها يخططون للتوجه لاحقاً إلى محاكم أوروبية ودولية، بحجّة أن «ما يحدث هو انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني الذي يحظر استخدام المدنيين كدروع بشرية».
كما أن توقيت تلك الدعاوى يتزامن مع ارتفاع الأصوات المطالبة بتنفيذ القرار الدولي 1559، والذي ينص على نزع سلاح جميع الميليشيات في لبنان، وهو ما ترفضه قوى حليفة للحزب، وتعتبره جزءاً من محاولات استهداف «الهوية المقاومة للبنان».
صورة قاتمة جنوباً.. ومخاوف من تصعيد داخلي
في ظل التصعيد المستمر مع إسرائيل، وما يخلفه من دمار يومي على البلدات الجنوبية، يخشى كثيرون من أن تتحوّل المواجهة القانونية إلى تصعيد داخلي بين أنصار «المقاومة» ورافضي وجود سلاح خارج يد الدولة.
يبقى السؤال: هل تتحرّك العدالة اللبنانية بمعزل عن الضغوط السياسية وتمنح المتضررين حقهم القانوني؟ أم أن الدعاوى ستُدفن كما دُفنت غيرها من الملفات الشائكة في أدراج العدالة اللبنانية؟
ما يبدو واضحًا أن السلاح لم يعد قضية أمنية فقط، بل تحوّل إلى ملف قضائي وشعبي ساخن، يُنذر بتداعيات عميقة على الداخل اللبناني.





