في خطوة لافتة تعكس تداخل الدين بالسياسة في العراق، قرر رئيس الوزراء محمد شياع السوداني إعفاء رئيس ديوان الوقف السني مشعان محية الخزرجي من مهامه، وتكليف عامر شاكر الجنابي بديلاً عنه لمدة ستة أشهر.
القرار، الذي جاء بناءً على توصية المجمع الفقهي العراقي، أثار نقاشاً واسعاً حول دلالاته السياسية والدينية، وما إذا كان يمثل بداية إصلاح في إدارة المؤسسات الدينية أم مجرد إعادة توزيع للأدوار داخل الساحة العراقية المضطربة.
قرار مفاجئ في بغداد
أعلن السوداني، الخميس، إعفاء الخزرجي من منصبه وتكليف الجنابي بإدارة الوقف السني بصفة مؤقتة.
البيان الحكومي أشار إلى أن القرار جاء بعد أن رشح المجمع الفقهي ثلاثة أسماء بديلة، وفقاً لقانون الوقف السني لعام 2012، ليقع الاختيار على الجنابي.
تكليفات واضحة للرئيس الجديد
رئيس الوزراء شدد على ضرورة أن يعمل الجنابي على تعزيز الخطاب الديني المعتدل، ومواجهة الفكر المتطرف، والحفاظ على استقلالية الديوان بعيداً عن أي استغلال سياسي أو انتخابي. كما دعا إلى إعادة الاعتبار لهذه المؤسسة بوصفها صرحاً دينياً واجتماعياً له دور محوري في ترسيخ قيم التعايش.
الوقف السني بين الدين والسياسة
ديوان الوقف السني يعد من أبرز المؤسسات الدينية في العراق، إذ يشرف على المساجد والجمعيات الخيرية السنية. غير أن عمله كثيراً ما ارتبط بصراعات سياسية أو تجاذبات مذهبية.
ويرى مراقبون أن قرار السوداني الأخير يهدف إلى تحصين هذه المؤسسة من الاستقطاب السياسي، وإعادة ضبط بوصلتها نحو الدور الديني والاجتماعي الخالص.
بحسب الخبير في الشأن العراقي الدكتور سامر الدليمي، فإن “القرار لا يمكن فصله عن المشهد السياسي، فالحكومة تريد أن تبعث برسالة إلى الداخل والخارج بأنها جادة في إصلاح المؤسسات الدينية، وضمان أن تكون منابر للاعتدال لا ساحات للصراع”.
ويرى الدليمي أن خطوة السوداني تمثل محاولة لتبديد المخاوف من تسييس الخطاب الديني، في وقت يحتاج فيه العراق إلى خطاب يوحد ولا يفرق.
تحديات المرحلة المقبلة
المحلل السياسي عبد الكريم الشمري اعتبر أن “التكليف المؤقت للجنابي قد يكون اختباراً لقدراته على مواجهة الضغوط السياسية والطائفية، وإعادة هيكلة الأداء المؤسسي”.
وأوضح أن أمام الرئيس الجديد تحديات تتمثل في كسب ثقة الشارع السني، وتحقيق توازن في العلاقة مع الحكومة المركزية، وضمان حياد الديوان في المشهد السياسي.
دور الوقف في ترسيخ الاعتدال
الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية الدكتور خالد العزاوي أكد أن “إبعاد المؤسسات الدينية عن الاستثمار الانتخابي خطوة ضرورية لإعادة بناء الثقة المجتمعية”.
وأضاف أن نجاح التجربة مرهون بمدى قدرة الجنابي على تقديم نموذج ديني يكرس التسامح، ويحد من خطاب الكراهية الذي ساهم في تأجيج الأزمات السابقة.
اختبار لسياسات السوداني
وفي قراءة أشمل، اعتبر الباحثة السياسية نجلاء الراوي أن “القرار يمثل جزءاً من سياسة السوداني الرامية لإظهار حكومته كقوة إصلاحية قادرة على ضبط التوازنات بين الدين والسياسة”، لكنها حذرت من أن أي فشل في هذه المهمة قد ينعكس سلباً على مصداقية الحكومة ويعيد إنتاج الخلافات ذاتها.






