في تصعيد جديد يعكس عمق المأساة الإنسانية في دارفور، ارتفع عدد ضحايا الهجوم الذي استهدف مدينة “أم دخن” بولاية وسط دارفور في السودان إلى 46 قتيلاً وجريحاً، وفق شهادات مصادر أهلية وشهود عيان.
واستهدف الهجوم، الذي نُفذ باستخدام طائرات مسيّرة، سوق المدينة مرتين في يوم واحد، ما أدى إلى سقوط 26 قتيلاً وإصابة 20 آخرين، بينهم نساء وأطفال، في مشهد يعكس طبيعة الاستهداف المباشر للتجمعات المدنية.
وتأتي هذه الحادثة في ظل أوضاع صحية متدهورة، حيث تعاني الولاية من نقص حاد في الخدمات الطبية والكوادر الصحية، ما يضاعف من خطورة الإصابات ويرفع احتمالات الوفيات.
إدانات دولية.. وقلق أممي
وأثارت المجزرة موجة غضب دولي، حيث أدان المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك الهجوم بشدة، مؤكداً رفض المنظمة لجميع الاعتداءات التي تستهدف المدنيين والبنية التحتية.
وأشار دوجاريك إلى أن المنظمة تشعر بقلق بالغ إزاء استمرار تدهور الأوضاع الأمنية في دارفور، والخسائر البشرية الفادحة التي يتكبدها المدنيون، في ظل غياب أي مؤشرات حقيقية على التهدئة.
ولم تكن مجزرة أم دخن حادثة معزولة، بل تأتي ضمن سلسلة من الهجمات التي طالت المدنيين في مناطق مختلفة من السودان، ففي 9 أبريل الماضي، استهدفت طائرة مسيّرة حفل زفاف في مدينة كتم بولاية شمال دارفور، ما أسفر عن سقوط 86 ضحية بين قتيل وجريح، غالبيتهم من النساء والأطفال.
كما شهدت مدينة الضعين في شرق دارفور قصفاً استهدف مستشفى، أدى إلى مقتل 70 مدنياً وإصابة نحو 100 آخرين، بينهم أطفال وكوادر طبية، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.
الأطفال في مرمى النيران
كشفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أن الطائرات المسيّرة مسؤولة عن نحو 80% من حالات قتل أو إصابة الأطفال في السودان خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام.
ووفق البيانات، تم الإبلاغ عن إصابة أو مقتل ما لا يقل عن 245 طفلاً خلال تلك الفترة، في مؤشر خطير على تحول النزاع إلى تهديد مباشر للأجيال القادمة.
وبحسب تصريحات مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فليتشر، فإن نحو 700 مدني لقوا حتفهم منذ بداية العام نتيجة ضربات الطائرات المسيرة.
هذا الرقم يعكس تصاعداً حاداً في استخدام هذا النوع من الأسلحة، التي أصبحت سلاحاً رئيسياً في الصراع، خاصة في مناطق دارفور وولايات كردفان، التي تحولت إلى ساحات قتال مفتوحة.
دعوات للتحقيق الدولي
وفي الداخل السوداني، نددت جهات سياسية وشعبية وحقوقية بالمجزرة، معتبرة أنها استمرار لسلسلة من “الانتهاكات الممنهجة” ضد المدنيين.
وطالب ناشطون بفتح تحقيقات دولية مستقلة، تقود إلى محاسبة المسؤولين أمام العدالة الدولية، مؤكدين أن الإفلات من العقاب هو ما يغذي استمرار هذه الجرائم.
ويعيش السودان منذ أبريل 2023 على وقع حرب دامية بين الجيش وقوات الدعم السريع، أدت إلى مقتل عشرات الآلاف، ونزوح نحو 13 مليون شخص، إضافة إلى لجوء ما يقرب من 4.5 مليون إلى خارج البلاد.
وتصف الأمم المتحدة هذه الأزمة بأنها الأسوأ عالمياً من حيث الأوضاع الإنسانية، في ظل انهيار شبه كامل للبنية التحتية والخدمات الأساسية.
ومع استمرار القصف وتزايد أعداد الضحايا، تبدو دارفور وكأنها تنزلق نحو مرحلة أكثر خطورة، حيث تتسع دائرة الاستهداف لتشمل كل مظاهر الحياة اليومية، من الأسواق إلى المستشفيات وحتى المناسبات الاجتماعية.




