اعتبرت أوساط قريبة مما كان يُعرف بـ«محور المقاومة» أن الهزّات المتلاحقة التي أصابت بنية هذا المحور خلال العام الأخير أعادت فتح نقاش داخلي حاد حول المسؤوليات، ولا سيما بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 الذي نفذته حركة «حماس» من دون تنسيق مسبق مع بقية أطراف المحور، وفق ما تقول هذه الأوساط.
وقالت مصادر سياسية تابعتها «الشرق الأوسط» إن الجدل لم يقتصر على نقاشات عابرة في وسائل التواصل الاجتماعي بين قواعد شعبية موالية للمحور، بل امتد إلى جلسات داخلية غير رسمية، وربما رسمية، داخل بعض الفصائل، قبل أن يتجدد علنًا عقب تصريحات رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» في الخارج، خالد مشعل.
وأضافت المصادر أن مشعل، الذي أكد في مقابلة تلفزيونية أن حركته لم تتموضع يومًا ضمن أي محور، وأنها حافظت على انفتاحها على الدول العربية والإسلامية كافة، فجّر نقاشًا أوسع داخل هذه الأوساط، لا سيما بين أطراف موالية للنظام السوري السابق، عبّرت عن انتقاداتها عبر منصة «إكس».
وتابعت «الشرق الأوسط» أن الجدل الأعمق سُجّل داخل قطاع غزة، خلال جلسات سياسية غير رسمية شارك فيها قياديون ميدانيون وعناصر ناشطة في بعض الفصائل، قبل تصريحات مشعل. وخلال إحدى هذه الجلسات، قال قيادي من مستوى المسؤولين عن المناطق داخل مدينة غزة إن «حماس» أخطأت حين اتخذت قرار الهجوم من دون إبلاغ مكونات «محور المقاومة»، خصوصًا الفصائل الشريكة لها في القطاع، للاستعداد لتداعيات عملية كان معروفًا مسبقًا أن نتائجها لن تكون محدودة.
وأضافت مصادر حضرت الجلسة أن غالبية المشاركين رأوا أن تمدد الحرب إلى جبهات أخرى، والانهيارات غير المتوقعة التي طالت بعض أطراف المحور، من بينها الاغتيالات التي استهدفت قيادات بارزة في «حزب الله»، وسقوط نظام الأسد، ثم الضربات التي طالت إيران، كلها شكّلت أثمانًا باهظة دفعها المحور، ليس فقط على المستوى البشري، بل على مستوى توازنات المنطقة، في ظل إصرار إسرائيل، بدعم أميركي، على نزع سلاح غزة ولبنان.
وقالت المصادر إن ناشطًا ميدانيًا بارزًا في الجناح العسكري لأحد الفصائل فاجأ الحاضرين بقوله: «طوفان حماس دمّرنا ودمّرها ودمّر كل شيء معه… لم يبقَ محور ولا غيره».
في المقابل، أضاف مشاركون آخرون أن تحميل «حماس» وحدها المسؤولية لا يعكس الواقع بالكامل، مشيرين إلى وجود اختلالات أمنية داخل بعض أطراف المحور أسهمت في تمكين إسرائيل من تنفيذ اغتيالات مؤثرة. ورأى آخرون أن المحور لا يزال قادرًا على إعادة بناء نفسه، فيما اعتبر فريق ثالث أنه كان على «حماس» التحلي بالشجاعة والاعتذار عن انفرادها بقرار الهجوم، مستشهدين باعتراف الأمين العام السابق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بخطأ إدخال لبنان في حرب عام 2006.
وتابعت «الشرق الأوسط» أن مصادر من فصيل إسلامي وآخر يساري ضمن «محور المقاومة» في غزة تقرّ بأن الفصائل الفلسطينية تأثرت بواقع جديد منذ اندلاع الحرب، لا سيما على الصعيد المالي، مع تعثر الدعم الإيراني لأسباب متعددة، من بينها القيود المفروضة على تحويل الأموال، وتأثر إيران نفسها بتداعيات الحرب.
وقالت مصادر يسارية للصحيفة إن حوارات جرت مع أنصار للمحور خارج فلسطين، خصوصًا في لبنان، حمّلت «حماس» مسؤولية الوصول إلى هذا الوضع الصعب. وأضاف مصدر قيادي في أحد الفصائل الإسلامية أن «تبعات معركة طوفان الأقصى غيّرت الواقع القائم، وأسهمت في تفكيك قدرة المحور على العمل كجسم منسق في القرار»، مشيرًا إلى أن التنسيق كان غائبًا بوضوح عن قرار إطلاق المعركة.
وأضاف المصدر نفسه أن خسارة قادة ومقدرات أساسية داخل المحور أثّرت بشكل مباشر على مستوى التنسيق بين الفصائل الفلسطينية وبقية مكوناته، كما تسببت في أزمة مالية متجددة تمثلت في عدم الانتظام بدفع الرواتب والحوافز للعناصر النشطة.
في المقابل، رأت أصوات سياسية وأكاديمية أن تحميل «حماس» وحدها مسؤولية تفكيك محور المقاومة يُعد مجحفًا. وقال الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم لـ«الشرق الأوسط» إن الحركة تُعد جزءًا أساسيًا من هذا المحور، وإن قراراتها كانت عاملًا من بين عوامل عدة دفعت إسرائيل إلى توسيع ضرباتها ضد «حزب الله» وإيران، في مرحلة كان المحور قد فقد فيها سوريا.
وأضاف إبراهيم أن بعض أنصار المحور يرون أن «طوفان الأقصى» حقق إنجازًا استراتيجيًا، موضحًا أنه رغم غياب التنسيق المسبق، فإن أطراف المحور لم تتخلّ عن «حماس»، إذ شارك «حزب الله» تدريجيًا من لبنان، وقدّمت إيران دعمًا سياسيًا وماليًا للفصائل الفلسطينية التي انخرطت في المعركة لاحقًا.
ورأى المحلل السياسي إبراهيم المدهون أن الاتهامات الموجهة لـ«حماس» لا تستند إلى وقائع صلبة، معتبرًا أن معظم أطراف محور المقاومة، باستثناء النظام السوري، كانت منخرطة في سياق المواجهة، بينما اتخذ النظام السوري مواقف عدائية تجاه «حماس» ومنع أي تحرك شعبي داعم لغزة.
وأضاف المدهون أن سقوط نظام الأسد كان نتيجة أزمات داخلية متراكمة، لا ارتباطًا مباشرًا بما جرى في غزة، وأن إسرائيل كانت تخطط لعدوان واسع على «حزب الله» بغض النظر عن «طوفان الأقصى»، معتبرًا أن العملية كشفت هذه النوايا مبكرًا.
وختمت «الشرق الأوسط» بأن تصريحات خالد مشعل جرى اقتطاعها من سياقها، وأن المقصود منها التأكيد على أن «حماس» جزء من أي محور يواجه إسرائيل، لكنها ليست جزءًا من محاور تنخرط في صراعات عربية أو إسلامية داخلية.






