يدخل العراق مرحلة سياسية حساسة بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة، حيث تبدو المشاورات الجارية لتشكيل الحكومة المقبلة مفتوحة على احتمالات متعددة، في ظل صراع داخلي متصاعد داخل «الإطار التنسيقي» الشيعي، وتراجع واضح في فرص رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني في البقاء لولاية ثانية. فالمشهد السياسي الذي تشكّل عقب الانتخابات يكشف عن خريطة جديدة لموازين القوى، تضع السوداني في قلب مواجهة مع قوى داخل معسكره السياسي ذاته، بينما تحاول الأطراف السنية والكردية استثمار هذا الارتباك لتثبيت مكاسبها والحصول على ضمانات تتعلق بمناصبها القيادية.
نفوذ الصدر في مواجهة تحالف السوداني
الانقسامات التي بدأت تظهر داخل قائمة «الإعمار والتنمية» التي يقودها السوداني، خصوصاً مع تلميحات قيادات بارزة مثل أحمد الأسدي وفالح الفياض بالابتعاد عن التحالف، توحي بأن السوداني يخسر تدريجياً الحاضنة السياسية التي مكنته من الوصول إلى رئاسة الحكومة في 2022. ويبدو أن الانشقاق المحتمل داخل تحالفه يعيد إنتاج الأنماط التقليدية في السياسة العراقية، حيث تتشكل التحالفات وتتفكك بحسب ما تفرضه حسابات القوة لا الانسجام السياسي. ومع ذلك، تحاول قيادات في «الإعمار والتنمية» التخفيف من هذه القراءات عبر التأكيد على أن التحالف ما زال متماسكاً ويواصل مفاوضاته لتشكيل الحكومة، إلا أن هذا الخطاب لا يغيّر من حقيقة أن السوداني يواجه اختباراً وجودياً سيحدد موقعه في المرحلة المقبلة.
اللافت أن السوداني حاول خلال الأيام الأخيرة إرسال رسائل سياسية تشير إلى انفتاحه على جميع القوى، بما فيها التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، الذي قاطع الانتخابات. هذا الانفتاح قد يُقرأ كجزء من محاولة توسيع قاعدته السياسية خارج الإطار الشيعي التقليدي، أو كرسالة تهدئة موجهة إلى القوى التي تخشى من تزايد نفوذه داخل الدولة. غير أن هذا لا يبدو كافياً لتحييد معارضيه داخل الإطار، الذين يتحركون بسرعة نحو تشكيل كتلة أكبر تمنع السوداني من البقاء في منصبه.
هوية رئيس الحكومة المقبلة
وبمجرد إعلان نتائج الانتخابات، بدأت القيادات الشيعية الأربع الكبرى—نوري المالكي، قيس الخزعلي، هادي العامري، وعمار الحكيم—تنسق مواقفها بما يعكس إجماعاً ضمنياً على رفض منح السوداني ولاية ثانية. فالموقف العلني للمالكي الذي عبّر بوضوح عن عدم رغبته في التجديد للسوداني، إلى جانب مواقف أكثر مرونة لكنها بالاتجاه نفسه من بقية الأطراف، يشير إلى أن السوداني بات خارج حسابات القوى الكبرى داخل الإطار. ويعزز هذا الانطباع أن مصادر سياسية تحدثت عن تفاهمات أولية بين نواب فائزين على قائمة السوداني وبين قوى الإطار، تهدف إلى التصويت لاحقاً لمرشح الإطار لرئاسة الحكومة بدلاً من دعم السوداني، بالرغم من أن الدستور العراقي يمنع انتقال النواب بين الكتل قبل تشكيل الحكومة. ما يحدث عملياً هو بناء تفاهمات «تحت الطاولة» تسمح للإطار بتوفير أغلبية برلمانية مضمونة لرئيس الوزراء الجديد، متجاوزاً بذلك الانقسام الرسمي داخل الكتل.
وفي الوقت نفسه، يظل الإطار التنسيقي هو اللاعب الأكثر تأثيراً في تحديد هوية رئيس الحكومة المقبلة، نظراً لقدرته على جمع أكثر من 90 مقعداً فازت بها الأحزاب الموالية له، مقابل ما يقارب 45 مقعداً فاز بها السوداني وقائمته. هذه المعادلة تعكس خللاً سياسياً كبيراً بالنسبة للسوداني، الذي رغم تحقيقه تقدماً انتخابياً، إلا أن هذا التقدم لم يكن كافياً لتحويله إلى قطب سياسي يُفرض على بقية القوى، بل ظل ضمن حدود تتيح بسهولة حصره في زاوية ضيقة داخل المشهد السياسي الشيعي.
ويبدو أن المشهد السياسي الأوسع يدفع نحو سيناريو مفاده أن رئيس الوزراء المقبل سيكون نتاج توافق بين القوى الأربعة داخل الإطار، التي تستعد لوضع «مواصفات» مشتركة للمرشح قبل عرضه رسمياً على باقي المكونات السياسية. وعلى الرغم من أن الدستور يفرض مشاركة الكتل السنية والكردية في تشكيل الحكومة، إلا أن دورهما غالباً ما يقتصر على التفاوض حول المناصب السيادية الخاصة بهما—رئاسة البرلمان للسنة، ورئاسة الجمهورية للأكراد—بينما يظل اختيار رئيس الحكومة حكراً على التفاهمات الشيعية.
التنصت على هواتف سياسيين بارزين
في الوقت ذاته، تواجه القوى السنية تحديات داخلية، حيث بدأت مشاورات حول توزيع المناصب الأساسية، مع توقعات بإمكانية حدوث تفاهم بين محمد الحلبوسي وخميس الخنجر، بينما تبدو فرص التفاهم بين الحلبوسي ومثنى السامرائي ضعيفة في هذه المرحلة. هذا الانقسام السني ينعكس بدوره على مسار تشكيل الحكومة، إذ تحاول القوى السنية تجنب تقديم تنازلات مجانية قبل معرفة ملامح التحالف الشيعي الحاكم. أما على المستوى الإجرائي، فإن البرلمان الحالي ما زال قائماً حتى 8 يناير، ما يعرقل انعقاد البرلمان الجديد ويطرح تساؤلات حول احتمال حل المجلس الحالي قبل انتهاء ولايته، في تكرار لسيناريوهات تعطيل تشكيل الحكومات السابقة.
ومع توالي المؤشرات على محدودية فرص السوداني في البقاء، تزداد الأصوات التي ترى أن صعود سلطته خلال الفترة الماضية أثار مخاوف القوى التقليدية، التي رأت في محاولته الحفاظ على توازن العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران خطوة قد تؤدي إلى استقلال أكبر لموقع رئاسة الوزراء عن تأثيرات تلك القوى. كما أن الاتهامات الموجهة إلى فريقه المقرب بشأن التنصت على هواتف سياسيين بارزين—رغم نفيه واعتباره القضية «كذبة القرن»—أعطت خصومه مادة سياسية إضافية لتبرير إبعاده. فالديناميكية السياسية في العراق غالباً ما تقوم على مبدأ «منع تراكم القوة» لدى رئيس الوزراء، حيث يفضّل اللاعبون الكبار إبقاء رأس السلطة التنفيذية ضعيفاً بما يكفي لمنع تشكّل مركز قوة مستقل.
نفوذ طهران داخل المشهد السياسي العراقي
على مستوى الإقليم، حملت التصريحات الإيرانية تهنئة واضحة للعملية الانتخابية، مع إشادة بدور مختلف المكونات في الحفاظ على الوحدة الوطنية. ورغم أن هذه الرسالة تبدو دبلوماسية الطابع، إلا أنها تعكس رغبة طهران في تثبيت نفوذها داخل المشهد السياسي العراقي، عبر دعم العملية السياسية التي تتيح للقوى الموالية لها البقاء في قلب المعادلات. وجاء الاتصال الهاتفي بين السوداني والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ليؤكد أن طهران حريصة على التواصل مع جميع الأطراف، سواء بقي السوداني أو غادر منصبه، في حين تحافظ على علاقات وثيقة مع القوى الشيعية الأبرز.
في ضوء ذلك، يبدو أن الصراع السياسي في العراق بعد الانتخابات يتركز حول إعادة تشكيل الكتلة الأكبر التي ستحدد هوية رئيس الوزراء المقبل. ورغم أن المشهد مفتوح على احتمالات متعددة، إلا أن الاتجاه العام يشير إلى تراجع فرص السوداني، مقابل تصاعد دور القوى الشيعية التقليدية التي تعمل على إعادة ترتيب نفوذها الداخلي. ومن المرجح أن تستمر المفاوضات أسابيع أو أشهر، كما حدث في دورات سابقة، إلى حين التوصل إلى صيغة سياسية ترضي الأطراف المتنافسة، دون أن تغيّر في الجوهر العميق للقواعد التي تحكم السياسة العراقية، حيث يبقى الاستقرار هشّاً وقابلاً للانفجار مع كل دورة انتخابية جديدة.






