أطلقت دمشق إشارة سياسية لافتة من خلال زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى العاصمة الأميركية واشنطن، في خطوة سبقت وصول الرئيس أحمد الشرع إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
ورأى مراقبون أن هذه الزيارة تمثل اختراقاً دبلوماسياً نادراً في علاقة اتسمت لعقود بالعداء والجفاء، وتفتح «نافذة حذرة» على مرحلة جديدة في مسار العلاقات بين البلدين.
عودة العلم السوري إلى سماء واشنطن
في مشهد غير مألوف منذ أكثر من عشر سنوات، شارك الشيباني في احتفال رفع العلم السوري الجديد فوق مبنى السفارة السورية في العاصمة الأميركية.
هذه الخطوة التي واكبها حضور دبلوماسي وإعلامي، حملت رمزية قوية بأنها إعادة تموضع سياسي ورسالة مباشرة بأن دمشق مستعدة للانخراط في حوار جاد مع واشنطن.
ملفات شائكة على طاولة المحادثات
مصادر أميركية كشفت أن محادثات الشيباني مع مسؤولين في الكونغرس ووزارتي الخارجية والخزانة تركزت حول ملف العقوبات الاقتصادية، إلى جانب بحث مستقبل العلاقات السورية – الإسرائيلية، والتعاون في مكافحة الإرهاب. ورغم أن الملف الأخير يحظى بأولوية أميركية،
فإن رفع أو تخفيف العقوبات يظل المطلب السوري الأبرز، خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد.
الانفتاح مشروط بإصلاحات داخلية
الدبلوماسي السوري السابق بسام بربندي أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن بناء علاقة ما مع إسرائيل قد يفتح آفاقاً جديدة للتعاون الإقليمي والدولي، ويعزز الأمن والاستقرار.
لكنه شدد على أن هذه الخطوة تحتاج إلى استراتيجية واضحة لإصلاح الداخل السوري، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، كي لا يظل الانفتاح مع واشنطن رهناً بالضغوط والابتزاز الخارجي.
مرحلة اختبار أم تحول استراتيجي؟
يرى محللون أن زيارة الشيباني تمثل في الوقت الراهن مرحلة اختبار أكثر من كونها تحولاً استراتيجياً في السياسة الأميركية تجاه دمشق، فواشنطن لا تزال متمسكة بشروطها المرتبطة بحقوق الإنسان والعملية السياسية وفق القرار الدولي 2254، بينما تحاول دمشق الاستفادة من أي فرصة لتخفيف عزلتها الدولية.
وبين الحذر الأميركي والتطلعات السورية، تبقى زيارة الشرع المرتقبة إلى نيويورك مؤشراً مهماً لقياس مدى جدية الانفتاح بين الجانبين.
دبلوماسية «الخطوة بخطوة»
يذهب بعض المراقبين إلى اعتبار التحرك السوري الأخير بمثابة تجربة دبلوماسية لاختبار جدية الأميركيين في فتح صفحة جديدة، فرفع العلم فوق السفارة وإعادة إحياء بعض القنوات الرسمية قد يكونان جزءاً من سياسة «الخطوة بخطوة»، التي تتيح للطرفين تجنب التصعيد وإبقاء باب التفاوض مفتوحاً، من دون تقديم تنازلات جوهرية في المرحلة الأولى.
رفع العلم رسالة رمزية قوية
يقول الخبير الاستراتيجي اللواء محمود علي إن مشهد رفع العلم السوري في واشنطن لا يُقرأ كبروتوكول دبلوماسي فقط، بل كرسالة رمزية عميقة بأن دمشق تحاول كسر العزلة الدولية.
ويضيف أن هذه الخطوة تعكس رغبة في العودة إلى المشهد الدولي من «بوابة واشنطن» تحديداً، لما لذلك من ثقل سياسي.
يشير المحلل السياسي حسام عيسى إلى أن الولايات المتحدة ستتعامل مع هذا الانفتاح السوري بحذر، وستراقب ما إذا كانت دمشق مستعدة فعلاً لتقديم إصلاحات سياسية ملموسة. ويؤكد أن الإدارة الأميركية لن تقدم تنازلات كبيرة قبل اختبار نوايا النظام السوري على الأرض.
الانفتاح مرتبط بملف إسرائيل
يرى السفير السابق نبيل فهمي أن ملف العلاقة مع إسرائيل سيكون حاضراً في أي مفاوضات مقبلة، لأن واشنطن تعتبره «المفتاح الأساسي» لإعادة دمج دمشق في التوازنات الإقليمية.
ويضيف أن أي تقدم في هذا المسار قد يفتح الباب أمام تخفيف تدريجي للعقوبات.
العقوبات هي العقدة المركزية
يعتبر الباحث الاقتصادي فادي نصر أن الهاجس الأكبر لدمشق يبقى الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضغط على الشارع السوري.
ويشير إلى أن الهدف الحقيقي من الانفتاح على واشنطن هو تخفيف العقوبات المالية، خصوصاً تلك المرتبطة بقانون «قيصر»، والتي تعيق إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات.
خطوة اختبار لا تحول استراتيجي
يؤكد أستاذ العلاقات الدولية د. سامر خليل أن ما يجري حالياً لا يتجاوز كونه «مرحلة اختبار» بين الطرفين.
فواشنطن لن ترفع العزلة بشكل كامل، ودمشق من جانبها تريد استكشاف حدود الممكن. ويرى أن الحديث عن «مرحلة جديدة» قد يكون سابقاً لأوانه، لكن قنوات الاتصال المفتوحة بحد ذاتها تطور مهم بعد سنوات القطيعة.






