قبل اندلاع الحرب الأخيرة، كان السودان يعيش حالة من الاضطراب السياسي العميق، نتيجة صراع طويل بين المكوّنات المدنية والعسكرية، وفشل متكرر في تأسيس انتقال سياسي مستقر. الانقسام بين الجيش وقوات الدعم السريع لم يأتِ فجأة؛ بل كان نتيجة تراكمات امتدت لسنوات، تخللتها انقسامات داخل القوى المدنية نفسها، وتضارب مصالح إقليمية ألقت بظلالها على المشهد.
هذا الضعف البنيوي في الدولة جعل الإقليم هشّاً أمام الانفجار، ليتحوّل الخلاف السياسي إلى حرب مفتوحة دفعت المدنيين الثمن الأكبر لها.
زيارة تكشف عمق الجرح – مشاهد من تاويلا وكرما
في زيارة نادرة إلى منطقتي تاويلا وكرما، الواقعتين على بُعد ستين كيلومتراً من العاصمة، نقل الدبلوماسي البريطاني توم فليتشر صورة قاتمة عن واقع المدنيين المحاصرين بين العنف والجوع.
وصف فليتشر الإقليم بأنه “منطقة تُخنق ببطء”، حيث يعيش مئات الآلاف من النازحين بلا حماية ولا مساعدات إنسانية كافية.
الطريق إلى تلك المناطق بحد ذاته يعكس حجم الانهيار. تحدّث فليتشر عن صعوبة الوصول، مشيراً إلى أن نقاط التفتيش يحرسها “أطفال يحملون السلاح بدلاً من الذهاب إلى المدارس”، في دلالة صادمة على عمق الفوضى وانهيار مؤسسات الضبط.
الفاشر… مدينة تحوّلت إلى مسرح جريمة مفتوحة
بحسب الشهادات التي جمعها فليتشر، تبدو الفاشر اليوم كمدينة تلاشت فيها كل ملامح الحياة الطبيعية. الأسواق مغلقة، والمرافق العامة مدمرة أو مهجورة، والطرقات ممتلئة بأثر الانتهاكات—من الاعتداءات والسرقات إلى حوادث القتل والاختطاف—حتى صار كل زاوية من المدينة شاهداً على العنف المستمر. أما السكان الذين لم يرحلوا، فيعيشون تحت تهديد مستمر، يتنقلون بين منازل مهدمة ونقاط تفتيش لا تعرف سوى القانون الفردي لكل مسلح، بعيداً عن أي حماية أو سلطة قادرة على فرض النظام.
وفي كرما، واجه فليتشر الواقع نفسه من زاوية أخرى، حين التقى ممثلين عن قوات الدعم السريع، مؤكدين حجم الانهيار المحتمل في حال استمرار الوضع على ما هو عليه. حذر من موجات نزوح جديدة قد تتحوّل إلى كوارث إنسانية كبرى، إذا لم تُفتح ممرات إنسانية آمنة تضمن وصول المساعدات وإجلاء الحالات الحرجة، خصوصاً النساء والأطفال والمرضى. فالمدينة، كما يصفها، ليست مجرد مكان على الخريطة، بل مشهد حي لمعاناة متراكمة، حيث كل يوم يضيف طبقة جديدة من الخطر والمعاناة للسكان الذين لم يعد لديهم من يحمِيهم سوى الأمل البسيط بأن تصلهم المساعدة قبل أن يفقدوا كل شيء.
شهادات الناجين… رحلة هروب بين الموت والجوع
سرد الناجون قصصاً تقشعر لها الأبدان. الطريق الذي يسلكونه للوصول إلى مناطق أكثر أمناً هو “رحلة محفوفة بالألم”، مليئة بنقاط الابتزاز، والإعدام الميداني، والاختطاف طلباً للفدية، والانتهاكات الجنسية الجماعية.
كثيرون وصلوا إلى تاويلا وكرما بلا شيء؛ فقدوا بيوتهم، ممتلكاتهم، وأفراداً من عائلاتهم، ليعتمدوا بشكل كامل على مساعدات شحيحة لا تغطي حتى الاحتياجات العاجلة.
النساء في قلب المأساة – ثمن مضاعف للنجاة
برزت خلال الزيارة شهادات النساء اللواتي حملن قصص المعاناة اليومية، وأضفن وجهاً إنسانياً على أرقام النزوح والخسائر. إحدى الناجيات وصفت رحلتها بأنها “سير على الأقدام بين الموت والخوف”، عبارة تختزل كل ما يعيشه المدنيون في دارفور من قلق دائم وحياة معلقة بين لحظة النجاة ولحظة الفقد.
فقدت هذه المرأة ابنها الأكبر الذي لم يتجاوز الثالثة والعشرين، وهو رقم صغير لكنه يعكس كل الأحلام التي دُمرت قبل أن تبدأ. أما ابنها الآخر فقد أصيب بكسر حاد، ولم يجد حتى الآن طبيباً يعالجه، ما حول يومه إلى كابوس طويل من الألم والانتظار. كانت تأمل في الوصول إلى تاويلا لتلقي العلاج، لكن الطريق الطويل، والتهديد المستمر عند نقاط التفتيش، وغياب أي شكل من الحماية جعل من أبسط الحقوق الإنسانية—زيارة طبيب أو الحصول على رعاية صحية—مغامرة شبه مستحيلة.
هذا السرد يوضح أن الكارثة لا تكمن فقط في الحرب أو في النزاع المسلح، بل في انعدام الأمان اليومي وغياب أي مؤسسات قادرة على حماية المدنيين. النساء والأطفال، كما تظهر هذه القصة، يتحملون عبء مزدوج: ألم فقدان أحبائهم، وخطر البقاء بلا حماية في مواجهة البرد والجوع والعنف المستمر. الرحلة ليست مجرد انتقال جغرافي، بل اختبار مستمر للبقاء، حيث كل خطوة قد تكون الأخيرة، وكل اختيار يفرض على الإنسان دفع ثمن باهظ.
نداء أخير – منع الانهيار الكامل قبل فوات الأوان
اختتم فليتشر زيارته بدعوة صارمة للمجتمع الدولي لوقف ما وصفه بـ**“السيناريو المتوقع”**، وهو وصف يختزل تهديداً مباشراً لمستقبل المدنيين في دارفور. فالتدخل لا يقتصر على مجرد توثيق الفظائع ومحاسبة مرتكبيها، بل يمتد إلى مسؤولية أكبر وأكثر إلحاحاً: منع تكرارها قبل أن تصبح الكارثة شاملة. وإلا فإن الانهيار لن يبقى محدوداً بالمناطق المتضررة، بل سيشمل كامل الإقليم، مع تداعيات إنسانية وسياسية طويلة الأمد يصعب معالجتها لاحقاً.
اليوم، تتقاطع شهادات الناجين مع تحذيرات المنظمات الإنسانية لتشكل صورة موحدة عن حجم المعاناة: مدنيون يفتقدون الحماية، أطفال يسيرون بين الموت والخوف، ونساء يكابدن فقدان أحبائهن والحرمان من أبسط حقوق الحياة. المشهد يوضح أن الأزمة ليست مجرد أرقام أو أحداث عابرة، بل مأساة تتصاعد يومياً في صمت دولي شبه كامل، يترك مئات الآلاف يواجهون مصيرهم في العراء، بلا سقف يحميهم ولا يد تمتد لإنقاذهم.
في هذا الواقع، يصبح الكلام عن التحرك الدولي أكثر من ضرورة أخلاقية؛ فهو واجب إنساني عاجل يسبق أي حسابات سياسية. فالوقت يمر بسرعة، وكل يوم إضافي في هذا الفراغ يزيد من حجم الدمار النفسي والمادي ويعمّق الشعور بالعجز، ويجعل من السؤال البسيط “من يحمي المدنيين؟” سؤالاً حياً يُطرح على الجميع، دون استثناء.






