تشهد الساحة في العراق تطورات سياسية وأمنية متسارعة بعد تسرب معلومات عن استعداد عدد من الفصائل المسلحة للتخلي عن أسلحتها وتسليمها إلى السلطات الحكومية، في خطوة تبدو مرتبطة بضغوط أميركية متزايدة تستهدف إعادة ترتيب المشهد الأمني والسياسي داخل العراق.
وبينما أبدت خمسة فصائل مرونة تجاه هذا المسار، برز موقف رافض من فصيلين بارزين، ما يعكس استمرار الانقسام حول واحد من أكثر الملفات حساسية في البلاد.
ويأتي هذا التطور في وقت تسعى فيه الحكومة العراقية الجديدة إلى تحقيق توازن بالغ التعقيد بين مطالب واشنطن، وحسابات القوى السياسية المحلية، ونفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بمحور إيران داخل العراق.
خمسة فصائل تفتح الباب أمام خيار نزع السلاح
وفق معلومات متداولة من مصادر مقربة من أجواء قوى “الإطار التنسيقي” والفصائل المتحالفة معه، فإن خمس فصائل أبدت عدم ممانعة للدخول في ترتيبات تتعلق بنزع السلاح أو دمجه ضمن المؤسسات الرسمية العراقية.
وتضم قائمة الفصائل التي أبدت استعداداً أولياً لهذا الخيار: عصائب أهل الحق، ومنظمة بدر، وكتائب سيد الشهداء، وثار الله، إضافة إلى الإمام علي.
ويرى مراقبون أن إبداء هذه الفصائل مرونة تجاه الملف قد يعكس إدراكاً متزايداً لحجم الضغوط الخارجية والتغيرات الإقليمية الجارية، خاصة مع اتساع الحديث عن ترتيبات سياسية وأمنية جديدة قد تعيد رسم موازين القوى داخل العراق.
كما يشير البعض إلى أن قبول بعض الفصائل بفكرة تسليم السلاح لا يعني بالضرورة حلّها الكامل، بل ربما يمهد لصيغ بديلة تتضمن دمج مقاتليها داخل المؤسسات الأمنية الرسمية أو إعادة هيكلة نشاطها ضمن أطر سياسية وعسكرية تخضع لإشراف الدولة.
رفض واضح من فصيلين بارزين
في المقابل، كشفت المعلومات عن رفض فصيلين رئيسيين التخلي عن السلاح، وهما حركة النجباء وكتائب حزب الله.
ويحمل هذا الرفض دلالات مهمة بالنظر إلى الثقل العسكري والسياسي للفصيلين، ودورهما المؤثر في المشهد العراقي خلال السنوات الماضية، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالوجود الأميركي والنفوذ الإيراني داخل المنطقة.
ويرى محللون أن تمسك بعض الفصائل بسلاحها لا يرتبط فقط باعتبارات أمنية، بل يتجاوز ذلك إلى تصورات أوسع تتعلق بطبيعة دورها الإقليمي وموقعها في معادلة “محور المقاومة”، فضلاً عن مخاوف من فقدان أدوات النفوذ والتأثير السياسي.
ويأتي التطور الجديد في سياق ضغوط أميركية متزايدة تقودها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي وضعت ملف الفصائل العراقية الموالية لإيران ضمن أولوياتها السياسية والأمنية.
وتشدد واشنطن منذ فترة على ضرورة إنهاء ظاهرة السلاح خارج إطار الدولة، مع التأكيد على رفض منح شخصيات مرتبطة بالفصائل مواقع متقدمة داخل مؤسسات الحكم العراقية.
وتعتبر الإدارة الأميركية أن استمرار نشاط الجماعات المسلحة خارج سلطة الدولة يمثل تحدياً مباشراً لاستقرار العراق، كما يهدد المصالح الأميركية وانتشار القوات التابعة لها في المنطقة.
حكومة علي الزيدي أمام اختبار معقد
وتضع هذه التطورات حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أمام اختبار سياسي بالغ الحساسية، في ظل محاولة إدارة شبكة معقدة من التوازنات الداخلية والخارجية.
فالحكومة تجد نفسها مطالبة من جهة بالاستجابة للمطالب الأميركية المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة، ومن جهة أخرى بتجنب أي صدام مع الفصائل التي تمثل جزءاً مؤثراً من المشهد السياسي والعسكري العراقي.
كما أن أي تحرك سريع أو غير مدروس قد يفتح الباب أمام توترات داخلية جديدة، خاصة أن ملف الفصائل المسلحة لطالما ارتبط بحسابات طائفية وسياسية وأمنية شديدة التعقيد.
هل يقترب العراق من إعادة رسم خريطة القوة؟
يثير الحديث عن استعداد بعض الفصائل للتخلي عن السلاح تساؤلات أوسع بشأن مستقبل المشهد العراقي خلال المرحلة المقبلة، وما إذا كانت بغداد تتجه فعلاً نحو إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة.
ويعتقد مراقبون أن نجاح أي عملية لنزع السلاح سيحتاج إلى تفاهمات سياسية واسعة وضمانات أمنية متعددة، فضلاً عن توافق إقليمي ودولي يمنع تحول الملف إلى ساحة صراع جديدة.




