تسببت لوحة تُجسد النهاية المأساوية، للرئيس الليبي السابق معمر القذافي، في اجتماع رسمي، جمع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، بقائد القيادة الأمريكية في إفريقيا «أفريكوم» الجنرال داغفين أندرسون في طرابلس، حالة من الغضب، حيث اعتبر نشطاء ومدونون على مواقع التواصل الاجتماعي، أن وضع صورة مرتبطة بالعنف والاقتتال الداخلي في قاعة حكومية أثناء استقبال وفد دولي رفيع، يمثل «إساءة للدولة» وإقحاما للدم في البروتوكول الرسمي، بدلا من تعزيز رموز الوحدة الوطنية.
ولم تُصدر الحكومة توضيحاً مباشراً بشأن الجدل الدائر حول خلفية الصورة، في خطوة فسرها البعض بأنها محاولة لعدم إعطاء القضية حجماً أكبر، بينما اعتبر آخرون أن الحادثة كان يجب التعامل معها بشفافية أكبر. وأثار المشهد الكثير من ردود الفعل، حيث اعتبر الكثيرون أن ما جرى خطوة غير مألوفة و”خطأ بروتوكولي فادح” من حكومة الدبيبة ورسالة سياسية “غير محسوبة” داخل فضاء يمثل الدولة، وكذلك مساسا بأحد رموز البلاد وإن اختلفت المواقف بشأنه.
تصفية حسابات
وفي هذا السياق، قال مقرر اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان أحمد حمزة، إنه “ليس طبيعيا ولا مقبولا أن يتم استقبال وفد رسمي يمثل دولة كبرى كأميركا في قاعة حكومية تتصدر جدارها صورة لحدث دموي يمثل لحظة مأساوية في تاريخ ليبيا”، مضيفا أن “الدول تبنى على احترام رموزها الرسمية وعلى صون ما تبقى من تفاصيل الدولة، لا على تعليق صور اللحظات الأكثر إيلاماً في تاريخها وكأنها وسام فخر أو مادة للعرض”. حسب العربية.
واعتبر أن وضع لوحة تجسد الراحل معمر القذافي ساعة مقتله على جدار استقبال الوفد بدلاً من الصورة التاريخية للسفينة الأميركية فيلادلفيا التي كانت معلقة سابقا، هو سقوط أخلاقي ومهني يعكس مستوى الانحدار في منطق إدارة الدولة”، مشيرا إلى أن “المؤسسات الرسمية ليست ساحات انتقام سياسي ولا لوحات تصفية حسابات، وأن ما حدث خطأ بروتوكولي ودبلوماسي”.
وشدد رئيس المؤسسة الحقوقية على أن المؤسسات الرسمية “ليست ساحات للانتقام السياسي”، وأن ما حدث يعكس “هشاشة في الوعي وافتقارا لأبسط قواعد البروتوكول”، معتبرا ذلك “رسالة خاطئة للعالم” و”جرحا للوجدان الوطني”.
نشطاء: محاولة لإرضاء أميركا
من جهتها، أكدت الناشطة سلمى عبدالله، في تدوينة، أن ما حدث هو “محاولة لإرضاء أميركا حتى لو كان الثمن إهانة تاريخ ليبيا في مكتب رسمي”، مضيفة أن “القذافي لم يكن رجلاً عابراً، بل ركناً من أركان البلاد ورمزاً سيظل ثابتاً”، مضيفة أن وضع صورته بتلك الطريقة أمام الأجنبي “يطعن ليبيا بكل مكوناتها”.
أما المستخدم حكيم ناصح، فعلق قائلا “أمر محزن أن يقوموا بإزالة صورة سفينة فيلادلفيا التي أحرقها المجاهدون الليبيون ويضعون مكانها صورة معمر القذافي وهم ينكلون بجثته بعد أن قتله الناتو، فقط لإظهار الولاء والطاعة لأميركا”.
ومن جانبه، تساءل الناشط أحمد بالطيب، أن “إعادة توظيف مشاهد العنف والقتل في مشاهد رسمية داخل دولة تقول إنها مدنية، أي رسالة نريد أن نرسل للناس؟ هل نعيد إنتاج سردية الدم أم نبحث عن مستقبل الدولة والقانون؟”، مضيفا أنه “لا فخر في القتل ولا في تبرير العنف سواء بقطع النظر عن الاختلاف أو الاتفاق مع القذافي”.
تشويه سيادة الدولة
ويرى محللون أن الجدل حول الصورة لا يُفهم بمعزل عن حالة الاستقطاب الداخلي التي تشهدها ليبيا، حيث تتحول أي إشارة أو رمز إلى مادة للصراع السياسي والإعلامي بين الحكومتين المتنافستين في الشرق والغرب. كما يعكس التفاعل الشعبي حالة الحساسية المتزايدة تجاه أي مشهد قد يُفسر على أنه انتقاص من السيادة أو انحياز لقوة أجنبية.
ورغم اختلاف التفسيرات حول طبيعة الصورة ورمزيتها، فإن المشترك بين معظم المنتقدين كان الشعور بأن ظهورها في لقاء رسمي على هذا المستوى يعكس رسائل سياسية غير مريحة بالنسبة للرأي العام المحلي. وتداول ناشطون تغريدات وتعليقات غاضبة، معتبرين أن المشهد يوحي بانعدام حساسية تجاه الرموز الوطنية والسيادة الليبية، خصوصاً أن اللقاء جاء في وقت تشهد فيه البلاد سجالاً حاداً حول ملف التعاون الأمني والعسكري مع الأطراف الدولية.
مؤيدون ومعارضون
كما اعتبر معارضون لحكومة الدبيبة أن الصورة تمثل “استخفافاً بالسيادة” وتظهر انحيازاً لطرف خارجي، فيما رأى مؤيدو الحكومة أن الغضب مبالغ فيه وأن التركيز على خلفية الصورة يهدف إلى تشويه أي خطوة تقوم بها السلطة التنفيذية في طرابلس.
ولا تزال فترة حكم القذافي واحدة من أكثر الملفات انقساماً حتى بعد أكثر من عقد على سقوط نظامه، بين من يعتبر أنه يعتبر رمزا من رموز البلاد، مستندين إلى فترة الاستقرار الأمني ووفرة الموارد التي شهدتها البلاد خلال حقبة حكمه، ومن يحمّلونه مسؤولية تدهور أوضاع البلاد وتراكم الأزمات التي انفجرت بعد 2011.
وأعادت هذه الحادثة فتح الجدل حول معايير البروتوكول في مؤسسات الدولة الليبية، وسط مطالبات بإزالة الصورة ومراجعة مدونة السلوك الدبلوماسي حفاظا على هيبة الدولة.






