أعادت استئناف إسرائيل أعمال الحفر وشق طريق عسكري بمحاذاة خط الفصل مع الجولان السوري المحتل تسليط الضوء على مستقبل المنطقة العازلة في ريف القنيطرة، وسط اتهامات سورية بأن مشروع «سوفا 53» يشكل انتهاكًا لاتفاق فصل القوات لعام 1974، ويهدد السيادة السورية والاستقرار الإقليمي.
وأدانت وزارة الخارجية السورية، الأحد، الأعمال الإسرائيلية قرب خط الفصل غربي قرية العشة في ريف القنيطرة، ووصفتها بأنها «نهج عدواني وخرق فاضح» لاتفاق فصل القوات، مطالبة المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات رادعة لوقف ما وصفته بالانتهاكات.
دمشق: انتهاك لاتفاق فصل القوات
قالت الخارجية السورية إن استمرار العمليات الإسرائيلية، وما يصاحبها من توغلات ميدانية، يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن والاستقرار الإقليميين، ويقوّض أحكام القانون الدولي.
وشددت دمشق على تمسكها بحقها في ممارسة سيادتها على كامل أراضيها، داعية المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية في حماية سيادة الدول واحترام حدودها.
وتستند الاعتراضات السورية إلى اتفاق فصل القوات الموقع عام 1974، الذي ينظم انتشار القوات في المنطقة الفاصلة بين الجانبين، عقب حرب أكتوبر 1973. وتثير الأعمال العسكرية في محيط خط الفصل تساؤلات بشأن مدى توافق التحركات الإسرائيلية مع الترتيبات التي أرساها الاتفاق.
«سوفا 53».. طريق عسكري ونقاط مراقبة
بحسب ما أوردته قناة «الإخبارية السورية»، يشمل المشروع حفر الأرض وشق طريق عسكري بمحاذاة خط الفصل داخل المنطقة العازلة.
وتشير المعلومات السورية إلى أن المشروع بدأ منتصف عام 2022 في محيط بلدة حضر شمالي القنيطرة، قبل أن يمتد عبر عدد من البلدات والقرى، بينها جباتا الخشب والحميدية والقحطانية ورويحينة وبير عجم وبريقة، وصولًا إلى بلدة العشة جنوبًا، بالقرب من منطقة الحدود الثلاثية السورية الأردنية الإسرائيلية.
ويتضمن المشروع، وفق المصادر السورية، طريقًا عسكريًا بعرض يقارب ثمانية أمتار، تحيط به سواتر ترابية يصل ارتفاعها إلى نحو خمسة أمتار، إضافة إلى نقاط مراقبة ومواقع عسكرية على امتداد المسار.
وتقول المعطيات التي أوردتها دمشق إن التقدم الإسرائيلي داخل خط وقف إطلاق النار يتراوح بين 300 متر وألف متر في بعض المناطق، وإن وتيرة الأعمال تسارعت أواخر عام 2024، بالتزامن مع سقوط نظام بشار الأسد.
الأراضي الزراعية والمياه في دائرة التأثير
لا تقتصر المخاوف السورية على الأبعاد العسكرية للمشروع، إذ تشير إفادات محلية سابقة إلى تضرر مساحات من الأراضي الزراعية في ريف القنيطرة، وتحول آلاف الدونمات إلى مناطق يصعب استغلالها في الزراعة والرعي.
كما تحدثت تلك الإفادات عن تأثيرات محتملة على تدفق المياه والبيئة الطبيعية في المنطقة، بما يضيف أعباء معيشية على السكان المحليين، إلى جانب المخاوف الأمنية المرتبطة باستمرار النشاط العسكري قرب القرى والحقول.
ومع ذلك، فإن تقدير حجم الأضرار البيئية والزراعية بدقة يتطلب بيانات ميدانية مستقلة، خصوصًا في ظل محدودية المعلومات المتاحة عن المسار الكامل للمشروع وآثاره الفعلية.
هل تسعى إسرائيل إلى تثبيت واقع ميداني جديد؟
يثير استمرار شق الطرق وإقامة المواقع العسكرية قرب خط الفصل تساؤلات بشأن أهداف المشروع على المدى البعيد. فمن الناحية العسكرية، يمكن لمثل هذه المنشآت أن تسهّل حركة القوات والإمداد والمراقبة، وتتيح استجابة أسرع للتحركات على الجانب الآخر من خط الفصل.
أما سياسيًا، فقد يؤدي استمرار الأعمال وتوسيع البنية العسكرية إلى تكريس واقع ميداني جديد يصعب تغييره لاحقًا، حتى من دون إعلان رسمي عن تغيير الحدود أو الوضع القانوني للمنطقة.
لكن اعتبار المشروع خطوة تهدف حتمًا إلى ضم أراضٍ سورية أو تغيير الحدود يتطلب أدلة إضافية على النوايا الإسرائيلية؛ فالمعطيات المتاحة عن أعمال الحفر والطريق العسكري وحدها لا تكفي لإثبات ذلك.
وتكتسب التطورات أهمية إضافية في ظل التحولات التي شهدتها سورية منذ أواخر عام 2024، وما رافقها من تغير في البيئة الأمنية جنوب البلاد.
اتفاق 1974 أمام اختبار جديد
تكمن المعضلة في الفجوة بين الاعتراض السوري على التحركات الإسرائيلية ومحدودية الأدوات المتاحة لوقفها ميدانيًا. فدمشق تطالب بتحرك دولي رادع، لكن فاعلية هذا المسار ستعتمد على موقف القوى الدولية، وعلى قدرة الأمم المتحدة والآليات المعنية بمراقبة اتفاق فصل القوات على التعامل مع التطورات.
وفي غياب تسوية سياسية أو ترتيبات أمنية جديدة تحظى بقبول الأطراف المعنية، قد تتحول الأعمال العسكرية المتواصلة إلى مصدر دائم للتوتر في جنوب سورية، بما يفاقم المخاطر على السكان ويزيد صعوبة استعادة الاستقرار في المنطقة.
الخلاصة: لا يقتصر الجدل حول «سوفا 53» على شق طريق عسكري، بل يتعلق أيضًا بمستقبل المنطقة العازلة وحدود التحركات الإسرائيلية فيها. وبين الاتهامات السورية ومحدودية الاستجابة الدولية، يبقى السؤال الأهم: هل تظل هذه الأعمال إجراءات أمنية ميدانية، أم تتحول تدريجيًا إلى وقائع يصعب التراجع عنها؟






