في صورة واحدة، جسد سليم عصفور ما لا تستطيع آلاف الكلمات أن تقوله. شيخ سبعيني، مؤذن مسجد الصحابة، تحوّل من صوت يوقظ البلدة بنداء الصلاة، إلى همس بالكاد يُسمع من زوايا خيمة نزوح مهترئة، بفعل جوع طويل ومرض أشد. جسده النحيل المنهك، وعيناه الغائرتان، أصبحتا أيقونة جديدة للمأساة الفلسطينية، ومرآة عاكسة لسياسة التجويع الإسرائيلية التي لم تعد خفية، بل تُنفذ على مرأى ومسمع من العالم.
المجاعة عنوان عريض لحياة الفلسطينيين
ليست قصة العم سليم استثناء، بل هي عينة من واقع باتت فيه المجاعة عنوانًا عريضًا لحياة الفلسطينيين في غزة. الجوع في القطاع لم يعد مجرد حالة إنسانية يمكن احتواؤها بالمساعدات الطارئة، بل أصبح أداة قمع وسلاحًا تستخدمه إسرائيل ضمن استراتيجية أوسع لإخضاع السكان، وتحطيم إرادتهم تحت وطأة الحصار الطويل. التهجير، والتجويع، والمرض، لم تعد نتائج عرضية للحرب، بل أهدافًا بحد ذاتها.
المؤلم أكثر أن هذا الواقع الصادم لا يواجه فقط التجاهل الدولي، بل يُقابل بحملات نفي وتحريف ممنهجة من أبواق إعلامية إسرائيلية وغربية، وحتى عربية، تحاول طمس الحقيقة بحديث مكرور عن “تحسن مرتقب” و”مساعدات تدخل عبر المعابر”. لكن صورة واحدة مثل صورة العم سليم، كفيلة بإسقاط كل هذه السرديات الزائفة، إذ لم يبق فيها ما يمكن تزويره: العظام البارزة، والجلد المترهل، والعيون التي لا تجد شيئًا تنظر إليه سوى جدران الخيمة الصامتة.
في ظل هذه الصورة، تسقط كل الذرائع. الجائع لا يكذب، كما قال أحد المغردين، ولا يستطيع أن يزيف حقيقة نحوله أو أن يصطنع فقدان صوته وقدرته على الوقوف. العم سليم لم يطالب بكاميرات العالم، ولا نزل إلى الشوارع متظاهرًا، بل انهار بصمت داخل خيمته، وتحول جسده إلى وثيقة دامغة على انتهاك صارخ لكل القوانين الإنسانية.
حالة الشيخ سليم فجرت الغضب
اللافت أن حالة الشيخ سليم فجرت موجة غضب ووعي على منصات التواصل الاجتماعي، لم تكتف بالرثاء، بل حملت اتهامات واضحة لإسرائيل باستخدام سلاح التجويع، وللمجتمع الدولي بالصمت والتواطؤ، وللأنظمة العربية بالتقاعس. الجريمة التي تُرتكب في غزة اليوم لم تعد بحاجة إلى توثيق المنظمات الحقوقية، بل أصبحت واضحة في ملامح شيوخ وأطفال ونساء اختُزلت حياتهم إلى بحث يومي عن لقمة، وعن شربة ماء.
وفي الوقت الذي يواصل فيه الإعلام الغربي تقديم المشهد من منظور “إنساني محايد”، فإن مشهد سليم لا يترك مجالًا للحياد. لا يمكن أن تُروى قصته إلا باعتبارها نتيجة مباشرة لسياسة إسرائيلية تستهدف تفكيك الحياة المدنية في غزة، بكل أبعادها: الطعام، الصوت، الصلاة، والكرامة.
وفي النهاية، من الصعب تخيّل أن الشيخ سليم قد يستعيد صوته يومًا، لكن صمته نفسه، بهذه الصورة الصادمة، صار صرخة أكبر من كل نداء. صرخة تقول إن المجاعة ليست عَرَضًا، بل جريمة ممنهجة، وإن غزة لا تموت فجأة، بل تُذبح على مراحل… وعيون العالم مفتوحة.






