تُعبّر التصريحات الأخيرة للناطق الرسمي باسم الرئاسة الفلسطينية، نبيل أبو ردينة، عن موقف سياسي متقدّم يشير إلى تحول نوعي في خطاب القيادة الفلسطينية تجاه ما تشهده الضفة الغربية وقطاع غزة من تصعيد غير مسبوق. فبيان الرئاسة لا يكتفي بتوصيف ما يجري على الأرض من اعتداءات متكررة للمستوطنين، بل يربط بشكل واضح بين هذه الممارسات وبين “حرب الإبادة” المستمرة في قطاع غزة، مشيرًا إلى أن العدوان في الضفة ليس حدثًا منعزلًا، بل امتداد ممنهج لسياسة إسرائيلية شاملة تستهدف الكيان الفلسطيني بأكمله.
إفشال الجهود الدولية
الحديث عن “إرهاب منظم بحماية سلطات الاحتلال” ليس مجرد موقف سياسي بل يعكس واقعًا موثقًا في الميدان، حيث تتم الاعتداءات المسلحة من قِبل المستوطنين في قرى الضفة تحت أنظار جنود الاحتلال، بل وبتسهيلات ودعم مباشر. الهجوم الأخير في قرية عقربة جنوب نابلس، الذي أسفر عن استشهاد شاب وإصابة سبعة آخرين، يأتي ضمن سلسلة من الهجمات التي تُظهر انتقال المستوطنين من مجرد أدوات ضغط على الأرض إلى شركاء مباشرين في تنفيذ مشروع السيطرة والاقتلاع.
في الوقت ذاته، تربط الرئاسة الفلسطينية هذه الاعتداءات المتصاعدة بمحاولات إفشال الجهود الدولية لتحقيق تهدئة ووقف إطلاق النار، وتضعها في سياق استراتيجي أوسع يتمثل في السعي الإسرائيلي لتقويض أي مبادرات سياسية أو إنسانية، عربية كانت أو دولية. وهذه القراءة تتقاطع مع الواقع الميداني، حيث تترافق دعوات التهدئة مع تصعيد ميداني في الضفة وغزة على حد سواء، بما يعكس نية مبيتة لدى الحكومة الإسرائيلية الحالية لاستثمار الزمن السياسي إلى أقصى درجة ممكنة، قبل أي تغيير محتمل في المواقف الدولية أو الأميركية.
دعوة للتدخل الأمريكي
الدعوة الفلسطينية المتكررة للتدخل الأميركي، والتي جاءت هذه المرة بلغة “التحذير من فوات الأوان”، تؤشر إلى إدراك متزايد لدى القيادة الفلسطينية بأن الرهان على حياد المجتمع الدولي أو صبره على التصعيد الإسرائيلي قد لا يدوم طويلاً. وهذا النداء لا يحمل فقط بعدًا إنسانيًا، بل هو رسالة سياسية توجهها القيادة الفلسطينية للإدارة الأميركية تحديدًا، التي لا تزال تُعد اللاعب الأقدر – نظريًا – على كبح جماح إسرائيل أو دفعها نحو الانضباط ضمن الإطار الدولي.
وفي القسم الختامي من التصريح، تُعيد الرئاسة الفلسطينية التأكيد على أن مفتاح السلام لا يكمن في التهدئة الظرفية أو الحلول الأمنية، بل في الاعتراف الكامل بحقوق الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها إقامة دولته المستقلة. الاعترافات الدولية المتتالية بدولة فلسطين، كما يشير أبو ردينة، تُعد ترجمة لإرادة عالمية متنامية باتت ترى أن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق في ظل سياسة الاحتلال والضم والعقاب الجماعي.
انسداد في الأفق السياسي
التصريح، بكل أبعاده، لا يمكن فصله عن الواقع السياسي الذي تشهده المنطقة؛ فالتصعيد الميداني يقابله انسداد في الأفق السياسي، بينما يزداد الضغط الدولي على إسرائيل من بوابة الاعترافات الرمزية بالدولة الفلسطينية أو من خلال محاولات تمرير قرارات أممية لوقف إطلاق النار. وفي هذا السياق، يبدو أن السلطة الفلسطينية تسعى لتوظيف هذا الزخم السياسي الدولي، وإن كان محدودًا، للدفع باتجاه فرض معادلة جديدة تُعيد الاعتبار للشرعية الدولية كمخرج وحيد من دوامة الدم والانهيار.
بالتالي، فإن خطاب الرئاسة لا يمثل فقط موقفًا دفاعيًا إزاء الاعتداءات الإسرائيلية، بل يشكل محاولة لوضع المسألة الفلسطينية في إطارها الأوسع: باعتبارها قضية تحرر وحقوق وطنية، وليست فقط أزمة إنسانية أو أمنية مؤقتة.






