تتّجه إسرائيل إلى مرحلة أكثر حساسية في تعاملها مع ملف قطاع غزة، مع بروز خلافات داخلية متزايدة بين القيادة السياسية والعسكرية، وبين الحكومة والمعارضة. في قلب هذا الجدل، تبرز خطة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المعلنة بشأن السيطرة الكاملة على قطاع غزة، وهي خطة تنذر بتبعات داخلية وخارجية ثقيلة، وقد تعيد صياغة المشهد السياسي والأمني لإسرائيل والمنطقة لعقود قادمة.
لغة المجاملة السياسية
زعيم المعارضة يائير لابيد أطلق تحذيرات صريحة، تتجاوز لغة المجاملة السياسية، محذرًا من أن التوجه الحكومي لا يضع حياة الأسرى الإسرائيليين ضمن أولوياته، بل يهددهم بالموت أو التعذيب أثناء العمليات العسكرية. هذا التحذير يأتي في توقيت حرج، إذ تفيد تسريبات من وسائل إعلام إسرائيلية بأن المؤسسة العسكرية ذاتها تبدي تحفظات على خيار التوغل الكامل في غزة، لما يحمله من مخاطرة مباشرة على أرواح الرهائن، الذين يُعتقد أنهم محتجزون في أماكن لا يمكن الوصول إليها دون تعريضهم للخطر.
إلى جانب البعد الإنساني، يشير لابيد إلى كلفة سياسية واقتصادية هائلة، ستترتب على السيطرة طويلة الأمد على مليوني فلسطيني. وفق منطقه، فإن السيطرة العسكرية ستتحول إلى عبء إداري، اقتصادي وأخلاقي، حيث ستجد إسرائيل نفسها مطالبة بتقديم الخدمات الأساسية لسكان القطاع، وسط رفض دولي متزايد لأي مسعى للاحتلال أو الضم، وهو ما قد ينسف أي دعم دولي أو إقليمي لإعادة إعمار غزة بعد انتهاء الحرب.
القضاء على حماس
الاجتماع الأمني الذي ترأسه نتنياهو، والذي استمر ثلاث ساعات، يظهر أن القيادة السياسية في إسرائيل تدفع باتجاه الحسم العسكري كخيار أول، متذرعة بهدف القضاء التام على حركة حماس. لكن لغة البيان الرسمي الذي تلته رئاسة الحكومة، والتي شددت على “جاهزية الجيش لتنفيذ أي قرار” تتخذه الحكومة، تعكس توجهاً لتهميش رأي القيادة العسكرية، التي ما زالت تتمسك برؤية أكثر حذراً، وتدرك أن الخسائر السياسية والدبلوماسية قد تفوق المكاسب العسكرية.
في خلفية هذا المشهد، تتضاءل فرص الحلول السياسية أو الدبلوماسية، بينما ترتفع حدة التصريحات العسكرية. ومع تعثر المفاوضات حول تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار، تبدو إسرائيل أقرب من أي وقت مضى إلى اتخاذ خطوات أحادية قد تُقحمها في احتلال مباشر، مع ما يعنيه ذلك من تحديات أمنية وديبلوماسية وإنسانية طويلة المدى.
مخاطرة استراتيجية
تكشف هذه التطورات عن صراع داخلي آخذ في التوسع داخل إسرائيل، بين من يدفع نحو خيار القوة المطلقة، وبين من يرى في استمرار الحرب مخاطرة استراتيجية تهدد مستقبل الدولة داخلياً وخارجياً. وبين هذا وذاك، تبقى حياة الأسرى، ومصير مليوني فلسطيني، رهناً بقرارات قد لا تُبنى على الحسابات الباردة بقدر ما تُحركها ضغوط سياسية داخلية، وحسابات تتعلق ببقاء نتنياهو السياسي نفسه.






