تشهد عدة مناطق في اليمن تصاعدًا مقلقًا في انتشار مرض الملاريا، في ظل تحذيرات دولية من تحول الوضع إلى أزمة وبائية واسعة النطاق، مع تزايد أعداد الإصابات واتساع رقعة المناطق الموبوءة، خصوصًا في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين.
ويأتي هذا التطور في وقت يعاني فيه القطاع الصحي من هشاشة شديدة، ما يضاعف من خطورة الوضع على ملايين السكان.
وبحسب مصادر طبية، فقد سجلت محافظات الحديدة وحجة وإب والمحويت ارتفاعًا ملحوظًا في حالات الاشتباه خلال الأشهر الأولى من العام الجاري، وسط تدفق متزايد للمرضى على المرافق الصحية، لا سيما في المناطق الزراعية والساحلية التي تُعد بيئة مثالية لتكاثر البعوض الناقل للمرض.
اتساع نطاق العدوى
ولم يعد انتشار الملاريا مقتصرًا على المناطق المعروفة تاريخيًا بارتفاع معدلات الإصابة، بل امتد إلى مناطق مرتفعة نسبيًا مثل إب والمحويت، في مؤشر خطير على تغير أنماط انتشار المرض.
ويعزو مختصون هذا التحول إلى عوامل بيئية وصحية متداخلة، أبرزها زيادة الأمطار وتراكم المياه الراكدة، إلى جانب تدهور خدمات النظافة العامة وغياب أنظمة صرف صحي فعالة.
وتُعد الظروف المناخية، خاصة في المناطق الساحلية مثل الحديدة وحجة، عاملًا رئيسيًا في تفاقم الأزمة، حيث تؤدي درجات الحرارة المرتفعة والرطوبة إلى تسريع دورة تكاثر البعوض، ما يعزز من فرص انتقال العدوى بوتيرة أسرع.
نظام صحي على حافة الانهيار
ويتزامن هذا التفشي مع انهيار شبه كامل في البنية الصحية في اليمن، حيث تعاني المستشفيات والمراكز الطبية نقصًا حادًا في الكوادر البشرية والأدوية والمستلزمات الأساسية، فضلًا عن خروج عدد من المرافق عن الخدمة بسبب الحرب أو نقص التمويل.
ويؤكد عاملون في القطاع الصحي أن الاستجابة الحالية لا تتناسب مع حجم الأزمة، في ظل تراجع برامج الوقاية، مثل توزيع الناموسيات، وغياب حملات الرش لمكافحة البعوض، فضلًا عن ضعف التوعية المجتمعية، ما يترك السكان عرضة لخطر متزايد.
وتشير التقديرات الدولية إلى أن أكثر من ثلثي سكان اليمن يعيشون في مناطق معرضة للإصابة بالملاريا، مع تصنيف النساء الحوامل والأطفال دون سن الخامسة كأكثر الفئات عرضة للمضاعفات الخطيرة، نتيجة ضعف المناعة وسوء التغذية.
ويزيد من تعقيد المشهد تزامن انتشار الملاريا مع أزمات صحية أخرى، مثل سوء التغذية والأمراض المعدية الموسمية، ما يضع ضغطًا هائلًا على نظام صحي غير قادر على الاستجابة بفعالية.
اتهامات بالإهمال وتدهور الخدمات
وفي المقابل، تتصاعد الاتهامات لجماعة الحوثيين بإهمال قطاع الصحة العامة والخدمات البيئية، مع الإشارة إلى تفاقم مشكلات الصرف الصحي وتراكم النفايات، وغياب برامج مكافحة الأوبئة، ما ساهم في خلق بيئة خصبة لانتشار الأمراض.
ويرى خبراء أن مواجهة الأزمة تتطلب تدخلًا عاجلًا وشاملًا، لا يقتصر على توفير العلاج، بل يشمل إعادة تفعيل برامج مكافحة النواقل، وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتنفيذ حملات توعية واسعة، إلى جانب دعم دولي لإنقاذ القطاع الصحي من الانهيار الكامل.
وفي ظل تسجيل أعداد ضخمة من حالات الاشتباه خلال العام الماضي، يبدو أن اليمن يقف أمام مفترق طرق صحي خطير، حيث قد يتحول تفشي الملاريا إلى كارثة إنسانية واسعة إذا استمر التدهور دون تدخل سريع ومنسق.
ومع استمرار العوامل البيئية والصحية المساعدة على انتشار المرض، تبقى المخاوف قائمة من موسم أمطار أكثر قسوة قد يدفع بالأوضاع إلى مستويات غير مسبوقة، ما يستدعي تحركًا عاجلًا لتفادي الأسوأ.




